ومن شهر رواية ، فقدروه من مر حجج ومن مر دهر ، ولما كان"أول يوم"يوماً وهو اسم زمان احتاجوا فيه إلى تقدير من تأسيس ، ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير وأن تكون"من"تجر لفظة"أول"لأنها بمعنى البدأة كأنه قال من مبتدأ الأيام ، وهي هاهنا تقوم المر في البيت المتقدم ، وهي كما تقول جئت من قبلك ومن بعدك وأنت لا تدل بهاتين اللفظتين إلا على الزمن ، وقد حكي لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو ، ومعنى {أن تقوم فيه} أي بصلاتك وعبادتك ، وقرأ جمهور الناس"أن تقوم فيهِ فيهِ رجال"بكسر الهاء ، وقرأ عبد الله بن زيد"أن تقوم فيه فيهُ"بضم الهاء الثانية على الأصل ويحسنه تجنب تكرار لفظ واحد ، وقال قتادة وغيره: الضمير عائد على مسجد الرسول ، و"الرجال"جماعة الأنصار.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:"يا معشر الأنصار إني رأيت الله أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون؟"فقالوا يا رسول الله إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء.
قال القاضي أبو محمد: يريد الاستنجاء بالماء ، ففعلنا نحن ذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فلا تدعوه أبداً"، وقال عبد الله بن سلا م وغيره ما معناه: إن الضمير عائد على مسجد قباء والمراد بنو عمرو بن عوف.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما قال المقالة المتقدمة لبني عمرو بن عوف والأول أكثر واختلف أهل العلم في الأفضل بين الاستنجاء بالماء أو بالحجارة فقيل هذا وقيل هذا ، ورأت فرقة من أهل العلم الجمع بينهما فينقي بالحجارة ثم يتبع بالماء ، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض علماء القيروان كانوا يتخذون في متوضياتهم أحجاراً في تراب ينقون بها ، ثم يستنجون بالماء أخذاً بهذا القول.