قال: هل تدري ما أرادوا؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوه. فقل: فسابَّ عمار رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (نشدتك بالله، كم تعلم كان أصحاب العقبة) ؟ قال: أربعة عشر رجلاً. فقل: (إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر) .
قال فعدّد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة، قالوا: والله ما سمعنا مناديَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما علمنا ما أراد القوم.
فقال عمار: أشهد أن الإثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
{وَمَا نَقَمُوا} أي: ما أنكروا وما عابوا {إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} فإنهم كانوا قبل مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة في ظنك من العيش، فأثروا بالغنائم، وقتل للجلاس مولى، فأمر له النبيّ صلى الله عليه وسلم بديته فاستغنى.
والمعنى أن المنافقين عملوا بضد الواجب، فجعلوا موضع شكر النبيّ صلى الله عليه وسلم ما همّوا به، ولا ذنب إلا تفضله عليهم، فهو على حد قولهم: ما لي عندك ذنب إلا أني أحسنت إليك، وقول ابن قيس الرقيّات:
ما نَقِمَ الناسُ من أُمَيَّة إلا أنَّهم يحملُونَ إنْ غضِبُوا
وقول النابغة:
ولا عيْب فيهِم غيرَ أنَّ سُيوُفهُم بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكتائب
ويقال: نقم من فلان الإحسان، كعلم إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة كما في"التاج".
ثم دعاهم تعالى إلى التوبة بقوله: {فَإِنْ يَتُوبُوا} أي: من الكفر والنفاق {يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا} أي: بالقتل والهم والغم {وَالْآخِرَةِ} أي: بالنار وغيرها {وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ} أي: يشفع لهم في دفع العذاب.
{وَلا نَصِيرٍ} أي: فيدفعه بقوته. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 8 صـ 470 - 472}