ولعله قدم أصحاب مدين على قوم لوط وهم بعدهم في الزمان لأن هذا في شأن من وصفوا بأنهم لم يجدوا ما يحميهم مما هم فيه من العذاب بمشاهدة النبي - صلى الله عليه وسلم - من ملجأ أو مغارات أومدخل كما أن من قبل المؤتفكات جمعهم هذا الوصف ، فقوم نوح عليه السلام لم يمنعهم لما أتاهم الماء معقل منيع ولا جبل رفيع مع أنه يقال ؛ إنهم هم الذين بنوا الأهرامات ، منها ما هو بالحجارة ليمنعهم من الحادث الذي هددوا به إن كان ماء ، ومنها ما هو بالطوب التي لتحميهم منه إن كان ناراً ، وعاد لما أتتهم الريح بادروا إلى البيوت فقلعت الأبواب وصرعتهم في أجواف بيوتهم ، ولم يغنهم ما كانوا يبنون من المصانع المتقنة والقصور المشيدة والحصون الممنعة ، وحال ثمود معروف في توسعهم في البيوت جبالاً وسهولاً فما منعتهم من الصيحة التي أعقبت الرجفة ، وقوم إبراهيم عليه السلام بنوا الصرح ، ارتفاعه خمسة آلاف ذراع أو فرسخان ليتوصل به نمرود كما زعم - إلى السماء فأتى الله بنيانهم من القواعد ، ألقت الريح رأسه في البحر وخر عليهم الباقي وهم تحته ، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ، وأصحاب مدين لما أتاهم العذاب فأخذتهم الرجفة الرجفة لما تغن عنهم مدينتهم ، وإن كانوا هم أصحاب الأيكة فإنهم لما اشتد عليهم الحر يوم الظلة قصدوا المغارات فوجدوها أحر من وجه الأرض فخرجوا منها هاربين ، فجمعتهم الظلة بنسيم بارد خيلته إليهم ولبست به عليهم ، فلما اجتمعوا تحتها أحرقتهم نارها وبقي عليهم عارها ، وأما قوم لوط فأتاهم الأمر بغتة ، لم يشعروا حتى قلبت مدائنهم بعد أن رفعت إلى عنان السماء ، واتبعت حجارة الكبريت تضطرم ناراً ، ولعله خص قوم لوط بالذكر من بين من ليس له هذا الوصف لأن العرب كانوا يمرون على مواضع مدائنهم ويشاهدونها ، وعبر عنهم بالمؤتفكات لأن القصص للمنافقين الذين مبنى أمرهم على الكذب وصرف الأمور عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها ، فالمعنى أن أولئك لما