الثاني: قال (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) ونصوا على أن المصيبة إن كانت ماضية التأسف عليها حزن، وإن كانت مستقبلة فالتفجع منها خوف، والتحسر في الآية إنما هو في أمر مستقبل متوقع لما ورد في الحديث عن أبي بكر، أنه قال: لو نظر أحدهم إلى قدميه، ولم يكن وقع شيء ، فهلا قال له: لَا تخف إن الله معنا؟ قال: وجوابه أن هذا الكلام حالة الاستيلاء عليها والإحاطة بها؛ فمتعلق الحزن واقع، ولأنه إذا نهي عن التكليف على أمر واقع محقق فأحرى أن ينهي عن التقبيح من أمر مستقبل ممكن أن لا يقع، وأن لَا يقع فالنهي عن الحزن يستلزم النهي عن الخوف من باب أحرى، وأجاب بعضهم بأن الحزن متعلق بالغير، والخوف فيما يرجع للنفس، قال تعالى (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) وكان أبو بكر إنما حزن على النبي صلى الله عليه وسلم لَا على نفسه.
السؤال الثالث: أن الأمثل تقدم العلة على المعلول، وقال هنا: لَا تحزن الله معنا فقدم المعلول عليه، وجوابه أن المخاطب هنا أبو بكر وهو مصدق لنبينا صلى الله عليه
وعلى آله وسلم في جميع إخباراته، ولا يحتاج إلى هذا الأخذ من يرتاب فيما يخبر به؛ فيحتاج إلى تقديم إذ هي الأهم المقصود.
قوله تعالى: {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ... (42) }
الزمخشري: إما بدل من سيحلفون أو حال، أبو حيان: يمتنع البدل؛ لأن الهلاك غير الحلف، قلت: قال صاحبنا أبو العباس أحمد بن القصار: وهو بدل اشتمال؛ لأن حلفهم للمؤمنين سبب في إهلاكهم، فالحلف يشتمل على الإهلاك بناء على الأول مشتمل على الثاني، والله أعلم.
قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) }