وقال قتادة: قال إبليس: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} ، وصدق. وقال: {إنِّي أَخَافُ اللَّهَ} وكذب، ما به مخافة الله. ولكن إنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم، وتلك عادة عدو الله إبليس لمن أطاعه، إذا التقى الحق والباطل ... أسلمهم وتبرأ منهم. وقيل: إنه خاف أن يهلك فيمن هلك، وقيل: خاف أن يأخذه جبريل فيعرف حاله، فلا يطيعوه. وقيل: معنى {إنِّي أَخَافُ اللَّهَ} : أعلم صدق وعده لأولياه؛ لأنه كان على ثقة من أمر ربه.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يقدر إبليس على أن يتصور بصورة البشر، وإذا تشكل بصورة البشر .. فكيف يسمى شيطانًا؟
قلت: إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أعطاه قوةً وأقدره على ذلك، كما أعطى الملائكة قوة وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة البشر، لكن النفس الباطنة لم تتغير، فلم يلزم من تغير الصورة تغير الحقيقة.
والخلاصة: أنّ جند الشيطان كانوا منبثين في المشركين، يوسوسون لهم - بملابستهم لأرواحهم الخبيثة - بما يغويهم ويغوهم، كما كان الملائكة منبثين في المؤمنين يلهمونهم - بملابستهم لأرواحهم الطيبة - ما يثبتون به قلوبهم، ويزيدهم ثقة بوعد الله بنصرهم، فلما تراءت الفئتان وأوشكا أن يتلاحما .. فر الشيطان بجنوده من بين المشركين؛ لئلا تصل إليهم الملائكة الملابسة للمؤمنين (وهما ضدان لا يجتمعان، ولو اجتمعا .. لقضى أقواهما، وهم الملائكة على أضعفهما، وهم الشياطين) .
فخوف الشيطان من الملائكة إنَّما كان من إحراق الملائكة لجنوده، لا على المشركين، كما يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق متلاشٍ أمامه لا يبقى منه شيء .