ولقد كان مشركو العرب يعرفون هذه الحقيقة. فإن معرفتهم بالله سبحانه لم تكن قليلة ولا سطحية ولا غامضة ؛ كما يتصور الناس اليوم من خلال تأثرهم ببعض التعميمات التاريخية. ولم يكن شرك العرب متمثلا في إنكار الله - سبحانه - ولا في عدم معرفتهم الحقيقة.. إنما كان يتمثل ، أكثر ما يتمثل ، في عدم إخلاصهم العبودية له ؛ وذلك بتلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غيره ؛ وهو ما لم يكن متفقاً مع إقرارهم بألوهية الله ومعرفتهم لحقيقته...
ولقد مر بنا في استعراض أحداث الموقعة من كتب السيرة: أن خفاف بن أيماء بن رحضة الغفاري - أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري - بعث إلى قريش ، حين مروا به ، ابنا له بجزائر أهداها لهم ؛ وقال لهم: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. قال: فأرسلوا إليه مع ابنه: أن وصلتك رحم! قد قضيت الذي عليك. فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم. ولئن كنا إنما نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة.
كذلك مر بنا قول الأخنس بن شريق لبني زهرة - وهو مشرك وهم مشركون -: يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم ، وخلص لكم صاحبكم مخرقة بن نوفل... إلخ.
ومثله استفتاح أبي جهل نفسه - فرعون هذه الأمة كما قال عنه صلى الله عليه وسلم - وهو يقول:"اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة"..
وكذلك قوله لحكيم بن حزام وقد جاءه رسولا من عتبة بن ربيعة ليرجع عن القتال:"كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد"!