ولا تستطل هذا الفصل فلعله من أنفع فصول الكتاب والحاجة إليه شديدة فإن رزقك اللّه فيه بصيرة خرجت منه إلى فرقان أعظم منه وهو الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه أهل التعطيل، والفرق بين إثبات الصفات والعلو والتكليم حقيقة وبين التشبيه والتمثيل، والفرق بين تجريد التوحيد العملي الإرادي وبين هضم أرباب المراتب مراتبهم التي أنزلهم اللّه إياها، والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وبين الالتفات إليها، والفرق بين تقليد العالم وبين الاستضاءة بنور علمه والاستعانة بفهمه والفرق أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والفرق بين الحال الإيماني الرحماني والحال الشيطاني الكفري والحال النفساني، والفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع على كل واحد والحكم المؤول الذي تهابته أن يكون جائزة الاتباع عند الضرورة ولا درك على مخالفه.
[فصل]
ونحن نختم الكتاب بإشارة لطيفة إلى الفروق بين هذه الأمور إذ كل فرق منها يستدعي بسطه كتابا كبيرا، فالفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين أن توحيد الرسل إثبات صفات الكمال للّه على وجه التفصيل وعبادته وحده لا شريك له فلا يجعل له ندا في قصد ولا حب ولا خوف ولا رجاء ولا لفظ ولا حلف ولا نذر بل يرفع العبد الأنداد له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته كما أنها معدومة في نفس الأمر لا وجود لها البتة فلا يجعل لها وجودا في قلبه ولا لسانه.
وأما توحيد المعطلين فنفي حقائق أسماءه وصفاته وتعطيلها ومن أمكنه منهم تعطيلها من لسانه عطلها فلا يذكرها ولا يذكر آية تتضمنها ولا حديثا يصرح بشيء منها ومن لم يمكنه تعطيل ذكرها سطا عليها بالتحريف ونفى حقيقتها وجعلها اسما فاعلا لا معنى له أو معناه من جنس الألغاز والأحاجي على أن من طرد تعطيله منهم علم أنه يلزمه في ما حرف إليه النص من المعنى نظير ما فر منه سواه فإن لزمه تمثيل أو تشبيه أو حدوث في الحقيقة لزم في المعنى الذي حمل عليه النص وأن لا يلزم في هذا فهو أولى أن لا يلزم في الحقيقة فلما علم هذا لم يمكنه إلا تعطيل الجميع فهذا طرد لأصل التعطيل والفرق أقرب منه ولكنه مناقض يتحكم بالباطل حيث أثبت اللّه بعض ما أثبته لنفسه ونفى عنه البعض الآخر واللازم الباطل فيهما واحد واللازم الحق لا يفر بينهما.
والمقصود أنهم سموا هذا التعطيل توحيدا وإنما هو إلحاد في أسماء الرب تعالى وصفاته وتعطيل لحقائقها.