وَمِنْ الْفُرْقَانِ النُّورُ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ الْعَبْدُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَكُلَّمَا كَانَ قَلْبُهُ أَقْرَبَ إلَى اللَّهِ كَانَ فُرْقَانُهُ أَتَمَّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل: الفروق الطول]
وهذا باب من الفروق الطول ولعل إن ساعد القدر أن نفرد فيه كتابا كبيرا وإنما نبهنا بما ذكرنا على أصوله واللبيب يكتفي ببعض ذلك والدين كله فرق وكتاب اللّه فرقان محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فرق بين الناس ومن اتقى اللّه جعل له فرقانا {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً}
وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرّق بين أولياء اللّه وأعدائه فالهدى كله فرقان، والضلال أصله الجمع كما جمع المشركون بين عبادة اللّه وعبادة الأوثان ومحبته ومحبة الأوثان وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه فجعلوا الأمر واحد واستدلوا بقضائه وقدره على محبته ورضاه وجمعوا بين الربا والبيع فقالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
وجمعوا بين المذكى والميتة، وقالوا: كيف نأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل اللّه، وجمع المنسلخون عن الشرائع بين الحلال والحرام فقالوا: هذه المرأة خلقها اللّه وهذه خلقها وهذا الحيوان خلقه وهذا خلقه فكيف يحل هذا ويحرم هذا؟ وجمعوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجاءت طائفة الاتحادية فطموا الوادي على القرى وجمعوا الكل في ذات واحدة وقالوا هي اللّه الذي لا إله إلا هو وقال صاحب فصوصهم وواضع نصوصهم واعلم أن الأمر قرآنا لا فرقانا:
ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من مدح ولا ذم
وإنما السعادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم
والمقصود أن أرباب البصائر هم أصحاب الفرقان فأعم الناس فرقانا بين المشتبهات أعظم الناس بصيرة. والتشابه يقع في الأقوال والأعمال والأحوال والأموال والرجال وإنما أتى أكثر أهل العلم من المتشابهات في ذلك كله ولا يحصل الفرقان إلا بنور يقذفه اللّه في قلب من يشاء من عباده يرى في ضوئه حقائق الأمور ويميز بين حقها وباطلها وصحيحها وسقيمها {ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ}