ويتمثل الفرقان في هدى القلب ، والبصيرة والعلم ؛ وأي شيء يفصل بين الحق والباطل ، وأحوال الإنسان - كما نعلم - قسمان: أحوال الدنيا ، وأحوال الآخرة ، وأحوال الدنيا فيها أمور قلبية مستترة ، وفيها أمور ظاهرة ، وإن نظرنا إلى حالات الدنيا نجد منها الظاهر وهو الحركة المحسة ، ومنها القلبي الذي لا يعرفه من بعد الله إلا صاحب القلب . والفرقان في أحوال الدنيا القلبية تلمسه حين تجد من اهتدى ، ومن ضل ؛ ونجد أن المهتدي قد شرح ربنا صدره للإسلام . ونجد أن الضال هو من لم يشرح الله صدره للإسلام والمهتدي يعيش ضمن الفريق الذي لا غل فيه ولا حقد ، والضال هو من يعيش في فريق يتصف بالغل والحقد ، هذا في الأمور القلبية . أما في الأعمال الظاهرة ، فالحق يجعل الفرقان بين أهل الإيمان وأهل الكفر ؛ بالنصر ، والغلبة ، والعزة .
وماذا عن الفرقان في الآخرة؟ .
إن الحق يجعل الفرقان في الآخرة بحيث يكون لأهل الإيمان النعيم المقيم والثواب العظيم ، ويجعل لأهل الكفر العذاب الشديد والمقت الكبير .
{إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [الأنفال: 29] .
وإذا كنا سنتقي الله فهل سيكون لنا سيئات؟ .
وأقول: إن أردت بقوله: {إِن تَتَّقُواْ الله} إيماناً به ، فسبحانه يُكَفِّر عنكم سيئاتكم ؛ صغائرها وكبائرها . ولا يضر مع الإيمان معصية ، بل تدخل في عفو الله وغفرانه .
وإن أردت بالتقوى"التزام أمر"فتكفير السيئات يعني أن نتقي الله بترك الكبائر فيكفر عنا السيئات وهي الصغائر . والتكفير على نوعين ؛ أولا أن يسترها عليك في الدنيا ، أو يذهب عنك عقوبة الآخرة ، ولذلك يقول سبحانه في ختام جميل للآية:
{وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله ذُو الفضل العظيم} [الأنفال: 29] .