ومثاله ما ذكرناه من الجهل بالجهة التي الصورة فيها بل مثاله أن يريد الإنسان أن يرى قفاه مثلا بالمرآة فإنه إذا رفع المرآة بإزاء وجهه لم يكن قد حاذى بها شطر القفا فلا يظهر فيها القفا وإن رفعها وراء القفا وحاذاه كان قد عدل بالمرآة عن عينه فلا يرى المرآة ولا صورة القفا فيها فيحتاج إلى مرآة أخرى ينصبها وراء القفا وهذه في مقابلتها بحيث يبصرها ويراعي مناسبة بين وضع المرآتين حتى تنطبع صورة القفا في المرآة المحاذية للقفا ثم تنطبع صورة هذه المرآة في المرآة الأخرى التي في مقابلة العين ثم تدرك العين صورة القفا فكذلك في اقتناص العلوم طرق عجيبة فيها ازورارات وتحريفات أعجب ما ذكرناه في المرآة يعز على بسيط الأرض من يهتدي إلى كيفية الحيلة في تلك الأزورارات
فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور
وإلا فكل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق لأنه أمر رباني شريف فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف
وإليه الإشارة بقوله عز وجل إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إشارة إلى أن له خاصية تميز بها عن السماوات والأرض والجبال بها صار مطيقا لحمل أمانة الله تعالى
وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد وقلب كل آدمي مستعد لحمل الأمانة ومطيق لها في الأصل ولكن يثبطه عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها الأسباب التي ذكرناها
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه// حديث كل مولود يولد على الفطرة الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة
وقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء// حديث لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم الحديث تقدم
إشارة إلى بعض هذه الأسباب التي هي الحجاب بين القلوب وبين الملكوك