ولم يذكر القرآن شيئا يعين شأن هؤلاء القوم الذين أتى عليهم بنو إسرائيل، والراجح أنّهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر، روي عن قتادة أنّهم من عرب لخم كما مر، وعن ابن جريج أن أصنامهم كانت تماثيل بقر من النحاس.
{قالَ} موسى للقائلين من قومه {إِنَّكُمْ} يا قوم {قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ؛ أي: جاهلون عظمة الله تعالى، وأنّه لا يستحق أن يعبد سواه؛ لأنّه هو الذي أنجاكم من فرعون وقومه، فأغرقهم في البحر وأنجاكم منه، فلا جهل أعظم مما قلتم؛ فإنّكم قلتموه بعدما شاهدتم المعجزة العظمى، وعن واقد الليثي - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لما خرج إلى غزوة حنين .. مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم» أخرجه الترمذي، قال أبو حيان: تعجب موسى عليه السلام من قولهم على إثر ما رأوا من الآيات العظيمة، والمعجزات الباهرة، ووصفهم بالجهل المطلق، وأكده بـ {إن} ؛ لأنّه لا جهل أعظم من هذه المقالة، ولا أشنع، وأتى بلفظ {تَجْهَلُونَ} ولم يقل جهلتم، إشعارا بأنّ ذلك منهم كالطبع والغريزة، لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل. انتهى.
والخلاصة: أنّكم تجهلون مقام التوحيد، وما يجب من تخصيص الله بالعبادة بلا واسطة ولا مظهر من المظاهر، كالأصنام والتماثيل والعجل، فالله قد كرم البشر، وجعلهم أهلا لمعرفته ودعائه ومناجاته بلا واسطة تقربهم إليه، فإنه أقرب إليهم من حبل الوريد.
وبعد أن بين لهم جهلهم وسفههم، بين لهم فساد ما طلبوه، عسى أن تستعد عقولهم لفهمه واستبانة قبحه فقال:
139 - {إِنَّ هؤُلاءِ} القوم الذين يعبدون تلك التماثيل {مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ} ؛ أي: مهلك مدمّر مكسر مضمحل معدوم، منمحق ما هم عليه من الدين والعبادة؛ أي: إنّ الله سبحانه وتعالى يهدم دينهم عن قريب، ويحطم أصنامهم {وَباطِلٌ} زائل {ما كانُوا يَعْمَلُونَ} من عبادتها؛ أي: فلا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضر.