والمعنى: إن هؤلاء القوم الذين يعكفون على هذه الأصنام مقضي على ما هم فيه بالتبار والهلاك، بما سيظهر من التوحيد الحق في هذه الديار، وزائل ما كانوا يعملون من عبادة غير الله تعالى، فإنما بقاء الباطل في ترك الحق له وبعده عنه.
140 -وفي هذا بشارة منه عليه السلام بزوال الوثنية من تلك الأرض، وقد حقق الله تعالى ما قال: {قالَ} لهم موسى متعجبا من قولهم: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا} ؛ أي: أأطلب لكم معبودا غير الله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ} ؛ أي: والحال أنّه سبحانه وتعالى قد فضلكم على عالمي زمانكم، بالإسلام والتوحيد، أو فضلكم على العالمين كلهم بتخصيصكم بنعم لم يعطها غيركم، كالتخصيص بتلك الآيات القاهرات؛ فإنه لم يحصل مثلها لأحد من العالمين، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال، مثاله: رجل تعلم علما واحدا، وآخر تعلم علوما كثيرة سوى ذلك العلم، فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد، وفي الحقيقة أن صاحب العلوم الكثيرة مفضل على صاحب العلم الواحد، والمعنى: أأمركم أن تعبدوا ربا يتخذ ويطلب، بل الإله هو الذي يكون قادرا على الإيجاد وإعطاء الحياة، وجميع النعم، والاستفهام فيه للإنكار والتعجيب والتوبيخ.
والخلاصة: أن موسى بدأ جوابه لقومه بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم، وثنى ببيان فساد ما طلبوه، وكونه عرضة للتبار والزوال؛ لأنّه باطل في نفسه، ثم انتقل إلى بيان أن العبادة لغير الله لا تصح ألبتة، سواء أكان المعبود أفضل المخلوقات كالملائكة والنبيين، أو أخسها كالأصنام، ثم أنكر عليهم أن يكون هو الوساطة في هذا الجعل الذي دعا إليه الجهل، ليعلمهم أن طلب هذا الأمر المنكر منه عليه السلام جهل بمعنى رسالته، وأيد إنكاره لكلا الأمرين بما يعرفون من فضل الله تعالى عليهم، بتفضيلهم على أهل زمانهم، ممن كانوا أرقى منهم مدنية وحضارة، وسعة ملك وسيادة على بعض الشعوب، وهم فرعون وقومه، برسالة موسى وهارون منهم، وتجديد ملة إبراهيم فيهم، وإيتائهما من الآيات ما تقدم ذكره.