{فَأَتَوْا} ؛ أي: مروا عقب مجاوزتهم البحر ودخولهم في بلاد العرب من البحر الآسيوي. {عَلى قَوْمٍ} قال قتادة وأبو عمرو الجوني: هم من لخم وجذام، كانوا يسكنون الريف، وقيل كانوا نزولا بالرقة رقة مصر، وهي قرية بريف مصر، تعرف بساحل البحر، يتوصل منها إلى الفيّوم، وقيل: هم الكنعانيون الذين أمر موسى بقتالهم {يَعْكُفُونَ} ؛ أي: يقيمون ويواظبون {عَلى} عبادة {أَصْنامٍ} وتماثيل على صور البقر كانت {لَهُمْ} ؛ أي: لأولئك القوم الذين مروا عليهم، وهذا مبدأ شأن العجل الذي اتخذوه بعد ذلك وتعلقوا به، وكان ذلك أول فتنة العجل.
وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وأبو عمرو في رواية عبد الوارث {يَعْكُفُونَ} بكسر الكاف، وباقي السبعة بضمها وهما فصيحتان.
فصل في حقيقة الصنم
والأصنام جمع صنم، وهو ما يصنع وينحت من الخشب أو الحجر أو المعدن، مثالا لشيء حقيقي أو خيالي، ليعظم تعظيم العبادة، وقد اتخذ بعض العرب في الجاهلية أصناما من عجوة التمر فعبدوها، ثم جاعوا فأكلوها، والتمثال لا بد أن يكون مثالا لشيء حقيقي، وقد يكون للعبادة فيسمى صنما، وقد يكون للزينة، كالذي يكون على جدران بعض القصور، أو أبوابها، أو في حدائقها، وقد يكون للتعظيم غير الديني، كالتماثيل التي تنصب لبعض الملوك وكبار العلماء والقادة، للتذكير بتاريخهم وأعمالهم، للاقتداء بهم.
{قالُوا} ؛ أي: قال بنو إسرائيل لموسى لما رأوا تلك التمثال عند أولئك القوم: {يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا} ؛ أي: عيّن لنا تمثالا نتقرب بعبادته إلى الله تعالى. {كَما لَهُمْ} ؛ أي: كما لهؤلاء القوم {آلِهَةٌ} ؛ أي: تماثيل يعبدونها.
قالوا ذلك حنينا منهم إلى ما ألفوا في مصر من عبادة المصريين وتماثيلها وأنصابها وقبورها، وسر هذا الطلب أنّهم لم يكونوا قد فهموا التوحيد الذي جاء به موسى كما فهمه من آمن من سحرة المصريين، إذ إن السحرة كانوا من العلماء، فأمكنهم التمييز بين آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، والسحر الذي هو من صناعات البشر وعلومهم.