ففي الآية الأولى يبين كتاب الله للمؤمنين كيف ينبغي أن يدعوا ربهم ويذكروا اسمه، وفي الآية الثانية يبين كتاب الله للمؤمنين كيف ينبغي أن يجمعوا في الدعاء بين الخوف والرجاء، قال القاضي أبو بكر"ابن العربي":"الأصل في الأعمال الفرضية الجهر، والأصل في الأعمال النفلية السر، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرياء والتظاهر والتفاخر، وقد جعل الباري سبحانه في العبادات ذكرا جهرا، وذكرا سرا، لحكمة بالغة أنشأها بها، ورتبها عليها، وذلك لما عليه قلوب الخلق من الاختلاف بين الحالين". ثم زاد قائلا"أما الذكر بالقراءة في الصلاة فانقسم حاله إلى سر وجهر، وأما الدعاء فلم يشرع منه شيء جهرا، لا في حالة القيام، ولا في حالة الركوع ولا في حالة السجود، لكن اختلف العلماء في قول قارئ الفاتحة {آمين} هل يسر بها أم يجهر". وقال ابن كثير في تفسيره"قوله تعالى: {تَضَرُّعًا} معناه تذللا واستكانة، وقوله {وَخُفْيَةً} كقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} الآية". وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول اله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس اربعوا على أنفسكم - أي ارفقوا بها- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذين تدعون سميع قريب) الحديث.
ثم نقل ابن كثير عن عبد الله ابن مبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال:"إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به"
الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور - أي الزوار وما يشعرون به، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، وإن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} .