وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَنَادَى مُنَادٍ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ وَأَخْبَرَ عَمَّا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ كَرَامَتِهِ، أَنْ يَا هَؤُلَاءِ هَذِهِ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ الَّتِي كَانَتْ رُسُلِي فِي الدُّنْيَا تُخْبِرُكُمْ عَنْهَا، أَوْرَثَكُمُوهَا اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُ، لِتَصْدِيقِكُمْ إِيَّاهُمْ، وَطَاعَتِكُمْ رَبَّكُمْ. وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ:"لَيْسَ مِنْ كَافِرٍ وَلَا مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَنْزِلٌ. فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، وَدَخَلُوا مَنَازِلَهُمْ، رُفِعَتِ الْجَنَّةُ لِأَهْلِ النَّارِ فَنَظَرُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ لَوْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، رِثُوهُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَيُقْسَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنَازِلُهُمْ"
عَنِ الْأَغَرِّ، قَالَ: «نُودُوا أَنْ صِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا، وَاخْلُدُوا فَلَا تَمُوتُوا، وَانْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا»
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي (أَنْ) الَّتِي مَعَ (تِلْكُمُ) ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هِيَ (أَنَّ) الثَّقِيلَةُ خُفِّفَتْ، وَأُضْمِرَ فِيهَا، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَجْعَلَهَا الْخَفِيفَةَ لِأَنَّ بَعْدَهَا اسْمًا، وَالْخَفِيفَةُ لَا تَلِيهَا الْأَسْمَاءُ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
وَقَالَ آخَرُ:
[البحر الوافر]
أُكَاشِرُهُ وَأَعْلَمُ أَنْ كِلَانَا ... عَلَى مَا سَاءَ صَاحِبَهُ حَرِيصُ