قَالَ: فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ كِلَانَا قَالَ، وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: {أَنْ قَدْ وَجَدْنَا} فِي مَوْضِعِ (أَيْ) ، وَقَوْلُهُ: {أَنْ أَقِيمُوا} . وَلَا تَكُونُ (أَنْ) الَّتِي تَعْمَلُ فِي الْأَفْعَالِ، لِأَنَّكَ تَقُولُ: غَاظَنِي أَنْ قَامَ، وَأَنْ ذَهَبَ، فَتَقَعُ عَلَى الْأَفْعَالِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْمَلُ فِيهَا، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا} أَيِ امْشُوا. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعَ (أَنْ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (هَاءٌ) مُضْمَرَةٌ، لِأَنَّ (أَنْ) دَخَلَتْ فِي الْكَلَامِ لِتَقِي مَا بَعْدَهَا قَالَ: وَ (أَنْ) هَذِهِ الَّتِي مَعَ (تِلْكُمُ) هِيَ الدَّائِرَةُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا مَا ضَارَعَ الْحِكَايَةَ، وَلَيْسَ بِلَفْظِ الْحِكَايَةِ، نَحْو: نَادَيْتُ أَنَّكَ قَائِمٌ، وَأَنْ زَيْدٌ قَائِمٌ، وَأَنْ قُمْتُ، فَتَلِي كُلَّ الْكَلَامِ، وَجَعَلْتَ (أَنْ) وِقَايَةً، لِأَنَّ النِّدَاءَ يَقَعُ عَلَى مَا بَعْدَهِ، وَسَلِمَ مَا بَعْدَ (أَنْ) كَمَا سَلِمَ مَا بَعْدَ الْقَوْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: قُلْتُ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقُلْتُ: قَامَ، فَتَلِيهَا مَا شِئْتَ مِنَ الْكَلَامِ؟ فَلَمَّا كَانَ النِّدَاءُ بِمَعْنَى الظَّنِّ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْقَوْلِ سَلِمَ مَا بَعْدَ (أَنْ) ، وَدَخَلَتْ (أَنْ) وِقَايَةً. قَالَ: وَأَمَّا (أَيْ) فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ: أَيْ جَوَابُ الْكَلَامِ، وَأَنْ تَكْفِي مِنَ الِاسْمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ بَعْدَ دُخُولِهُمُوهَا: يَا أَهْلَ النَّارِ، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَبِهِمْ وَعَلَى طَاعَتِهِ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ وَعَلَى مَعَاصِيهِ مِنَ الْعِقَابِ؟ فَأَجَابَهُمْ أَهْلُ النَّارِ بِأَنْ نَعَمْ، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَ رَبُّنَا حَقًّا.