إنهم يقولون الحمد لله لأنه جل وعلا قد جمعهم ودلهم وأرشدهم إلى الثواب والنعيم دون منغصات ، والحمد لله هي عبادة يقولها المؤمنون في الآخرة ؛ لأنهم أدوا حق الله في تكاليفه في الدنيا ويعطيهم الله فوق ما يتوقعون في الآخرة . ونعيم الآخرة لا قيد عليه ، ولن يستطيع بشر مهما ارتقى بالابتكار أن يصل إلى ما في الجنة ؛ لأن الشيء يتحقق لك من فور أن يخطر ببالك . {وَقَالُواْ الحمد للَّهِ} .
وهذا الحمد لله كان في الدنيا عبادة تكليف ، أمّا في الآخرة فهو"عبادة غبطة وسرور وتلذذ . {وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله} ."
يقولها المؤمن ؛ لأن الله لو لم ينزل منهجاً سماوياً يحدد له حركة حياته استقامة وينذره ويخوفه من المعاصي لما وصل إلى الجنة . والهداية - كما قلنا - هي الدلالة على الطريق الموصل للغاية ، إذن لابد أن تعرف الغاية أولاً ثم تضع الطريق الموصل لها ، بحيث لا يكون معوجاً ولا يعترضك فيه ما يطيل عليك المسافة ، وقوله الحق: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله} يمنع أن يضع البشر للبشر قوانين تهديهم إلى الغاية ؛ لأن البشر أنفسهم لا يعرفون الغاية ؛ لذلك يوضحها لهم خالقهم بمنهجه المنزل على رسوله .
وما دامت الهداية من الله فسبحانه لن يخاطب كل إنسان مباشرة ، لكنه سبحانه ينزل الرسل يتلون علينا آيات الله ويوضحون لنا المنهج ؛ لذلك يأتي الحق في الآية نفسها يقوله الحكيم: {... لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]