{كلوا من ثمره إذا أثمر} لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه من العظم الرميم وهو عجب الذنب ، قال: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إشارة إلى الإيجاد أولاً وإلى غايته وهنا لما كان معرض الغاية الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق لنا قال: {كلوا من ثمره} فحصل بمجموعهما الحياة الأبدية السرمدية والحياة الدنيوية السريعة الانقضاء ، وتقدّم النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب وهذا أمر بإباحة الأكل ويستدل به على أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق وقيده بقوله: {إذا أثمر} وإن كان من المعلوم أنه إذا لم يثمر فلا أكل تنبيهاً على أنه لا ينتظر به محل إدراكه واستوائه ، بل متى أمكن الأكل منه فعل.
{وآتوا حقه يوم حصاده} والذي يظهر عود الضمير على ما عاد عليه من ثمره وهو جميع ما تقدّم ذكره مما يمكن أن يؤكل إذا أثمر.
وقيل: يعود على {النخل} لأنه ليس في الآية ما يجب أن يؤتى حقه عند جذاذه إلا النخل.
وقيل: يعود على {الزيتون والرمان} لأنهما أقرب مذكور.
وأفرد الضمير للوجوه التي ذكرناها في قوله {مختلفاً أكله} {وآتوا} أمر على الوجوب وتقدّم الأمر بالأكل على الأمر بالصدقة ، لأن تقديم منفعة الإنسان بما يملكه في خاصة نفسه مترجحة على منفعة غيره كما قال تعالى: {ولا تنس نصيبك من الدنيا} "وأحسن كما أحسن الله إليك وابدأ بنفسك ثم بمن تعول ، إنما الصدقة عن ظهر غنى"والحق هنا مجمل واختلف فيه أهو الزكاة أم غيرها؟ فقال ابن عباس وأنس بن مالك والحسن وطاوس وجابر بن زيد وابن المسيب وقتادة ومحمد بن الحنفية وابن طاوس والضحاك وزيد بن أسلم وابنه ومالك بن أنس: هو الزكاة واعترض هذا القول بأن السورة مكية وهذه الآية على قول الجمهور غير مستثناة.
وحكى الزجاج: أن هذه الآية قيل فيها إنها نزلت بالمدينة.