بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ يَنْتَظِرُ السَّامِعُ وَالْقَارِئُ جَوَابَ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) النَّارُ: اسْمٌ لِدَارِ الْجَزَاءِ الْمُعَدَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْمُجْرِمِينَ . وَالْمَثْوَى: مَكَانُ الثَّوَاءِ وَالثَّوَاءُ نَفْسُهُ وَهُوَ الْإِقَامَةُ وَالسُّكْنَى . وَالْخُلُودُ: الْمُكْثُ الثَّابِتُ الطَّوِيلُ غَيْرُ الْمُؤَقَّتِ كَمُكْثِ أَهْلِ الْوَطَنِ فِي بُيُوتِهِمُ الْمَمْلُوكَةِ لَهُمْ فِيهِ ، أَيْ تُثْوُونَ فِيهَا ثَوَاءَ خُلُودٍ أَوْ مُقَدِّرِينَ الْخُلُودَ مُوَطِّنِينَ أَنْفُسَكُمْ عَلَيْهِ ، إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَكُلُّ شَيْءٍ بِمَشِيئَتِهِ . وَهَذَا الْجَزَاءُ يَقَعُ بِاخْتِيَارِهِ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِهَا ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ عَنْكُمْ أَوْ عَنْ بَعْضِكُمْ فَعَلَ لِأَنَّ مَشِيئَتَهُ نَافِذَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَتُهُ الْكَامِلَةُ وَسُلْطَانُهُ الْأَعْلَى وَلَكِنْ هَلْ يَشَاءُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ هُوَ سُبْحَانَهُ حَقَّ الْعِلْمِ وَحْدَهُ وَلَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ إِلَّا بِإِعْلَامِهِ . وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ الْإِرَادَةُ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) أَيْ حَكِيمٌ فِيمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ مِنْ جَزَائِهِمُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ ، عَلِيمٌ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَفِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ