ولقد اختلف في مسألة الإعجاز في القرآن الكريم، فمنهم من رأى أن القرآن معجز بالصرفة، أي أن العرب كان بإمكانهم الإتيان بمثل القرآن ولكن الله سبحانه قد صرفهم عن ذلك، وهذا ما يراه بعض المعتزلة. ومنهم من قال إن جوانب الإعجاز في القرآن يمكن حصرها في إخباره بالمغيبات، وحديثه عن الأمم الغابرة، وإعجازه البلاغي والعلمي والعددي والنفسي ... الخ. وهناك رأي ثالث يقول إن الإعجاز في القرآن الكريم سلسلة لانهاية لها، فلا يمكن عدها، ولا يتأتى لأحد حصرها. وهذا الرأي الأخير - فيما يظهرـ هو الرأي الأصوب.
لقد أنزل الله سبحانه كتابه على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) ، وتحدى العرب الذين كان عليه الصلاة والسلام منهم، ويعيش بين ظهرانيهم - أن يأتوا بمثل هذا القرآن (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) ، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، أو حتى بسورة من مثله، بيد أنهم وقفوا منبهرين مشدوهين من سحر القرآن وبيانه على الرغم من تلك الفصاحة التي فيها نبغوا، وكانوا بها يعتزون.
على أن معجزة القرآن ليست للعرب وحدهم بل للبشر جميعاً مذ بعث النبي صلى الله حتى تقوم الساعة، قال تعالى (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ولذا فلا بد للقرآن أن يحمل معجزة للعالم في كل زمان ومكان، فكانت معجزاته في وقت النزول، وخلال مدة النزول، وبعد زمن النزول، وهي مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن القرآن خرق حجب الغيب، وخرق حواجز الزمان والمكان، فأخبرنا عما حدث للأمم السابقة، وأعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بما يجرى حوله في زمنه، فأخبره الله في القرآن بما يدبره المنافقون والكفار، بل بما كان يجول في خواطر بعض المسلمين كما أخبر سبحانه في كتابه العزيز بأمور مستقبلية حدثت بعد أيام أو شهور أو سنوات، مثل هزيمة الفرس على أيدي الروم، وفتح مكة ونحو ذلك، بل إن الله قد حدد مصير إبي لهب في القرآن، وأن مآله إلى النار