وهذا غير ما يقوله بعض ممن يؤدون الصلاة الآن حيث يقول الواحد منهم: هيا نصل لنزيحها من على ظهورنا ، وهؤلاء يؤدونها بالتكليف لا بالمحبة والعشق . أما الذين ألفوا الراحة بالصلاة حينما يحزبهم ويشتد عليهم أمر خارج عن نطاق أسبابهم ، ويقول الواحد منهم: ما دامت الصلاة تريح القلب ، فلأذهب إليها وألقى ربي زائداً على أمر تكليفه لي متقربا إليه بالنوافل ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة . ومعنى حزبه أن الأسباب البشرية لا تنهض به . فيقوم إلى الصلاة ، وهذا أمر منطقي ، لله المثل الأعلى .
كان الإنسان منا وهو طفل إذا ما ضايقه أمر يذهب إلى أبيه ، فما بالنا إذا ما ضايقنا أمر فوق الأسباب المعطاة لنا من الله فلمن نروح؟ إننا نلجأ لربنا ولقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة .
إذن فعشق التكليف شيء يدل على أنك ذقت حلاوة الطاعة ، وقد يجوز أنه شاق عليك ؛ لأنه يخرجك أولاً عما ألفت من الاعتياد . فعندما يأتيك أمر فيه مشقة تقول: إن هذه المشقة إنما يريد بها لي حسن الجزاء ، فإذا ما عشقت الصلاة صارت حبًا لك ، وكان واحد من الصالحين - كما قلت - يخاف ألا يثاب على الصلاة لأنها أصبحت شهوة نفس ، والإنسان مطالب بأن يحارب نفسه في شهواتها لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لنا المثل فقال:
"لا يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعاً لما جئت به"أي يصبح ما يشتهيه موافقاً لمنهج الله ، فإذا وصل وانتهى المؤمن إلى هذه المنزلة فهو نعم العبد السوي .
وهكذا عرفنا أن الهداية قسمان: هداية بمعنى الدلالة ، وهداية بمعنى المعونة .