ومحمد على خلق عظيم ، وهل يقال للمجنون: إنه على خلق عظيم؟ ؛ لأن الإِنسان منا لا يعرف كيف سيقابله المجنون ، أيضربه ، أيشتمه ، أيقطع له ملابسه؟ . أمّا الخلق العظيم فمعناه الخلق المضبوط بالقيم ، وخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مضبوط بالقيم حتى صار ملكة وليس أمرًا افتعاليًّا . وحين يقول الناس عن إنسان إن خلقه الكرم أي تأصلت فيه صفة الكرم تأصلاً بحيث أصبحت تصدر عنه أفعال البذل بيسر وسهولة ، وفي أعمال المعاني نسميها خلقاً ، وفي أعمال المادة نسميها آلية .
وكلنا يعرف أن الإِنسان إن أراد أن يتعلم قيادة سيارة فهو يتعلم قيادة الأفعال التي تؤدي إلى سير السيارة حتى يكتسب المهارة ويؤديها بيسر وبدون صعوبة ، وكذلك الشأن في الخلق حين تصدر وعنه الأفعال بدُربة ومهارة ، ونجد - على سبيل المثال - من يتعلم الفقه ، فيسأله إنسان عن الحكم في الأمر المعين ، فيستعرض الأمر من أوجهه في وقت طويل ، لكن من يتدرب يصبح الفقه بالنسبة إليه ملكة ، فلا يتعب في استنباط الحكم . كذلك الخلق .
ويوضح لهم الحق: أنتم تقولون عن الرسول: إنه مجنون ، فاجلسوا مثنى مثنى أو فرادى وادرسوا تصرفاته ستجدون أنها تصرفات منطقية مبنية على خلق كامل مكتمل ، وهو سلوك يختلف بالتأكيد عن سلوك المجنون ؛ لأن المجنون لا ضابط له في حركاته ولا في سكناته ولا فيما يدع . وكذلك لا يمكن أن يكون شاعراً ؛ لأنكم أنتم أهل شعر ، وكذلك ليس بكاهن ؛ فالكهنة قد يستبدلون بآيات الله ثمنا قليلا ، وهو الذي أعلن لكم رفض الملك والثروة والجاه . لكنهم قالوا: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ الله . .} [الأنعام: 124]