ثم قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم شاعر . ولو أن أحداً غيرهم قال مثل هذا الكلام لكان مقبولاً لأنه يجهل رسول الله ، ولأنه ليس من قوم هم أهل فصاحة وأهل بلاغة وأهل بيان ، إنهم يعرفون الشعر ، والنثر ، والخطابة والكتابة . فلو كان هذا الأمر من غيرهم لكان القول مقبولاً ، ولذلك نجد منهم من تصفو نفسه يقول: والله ما هو بقول كاهن ولا بقول شاعر . ويطلب الحق منهم ألا يقولوا رأيا جماهيريا ؛ ففي الرأي الجماهيري يختلط ويلتبس الحق بالباطل . بل كان يطلب منهم أن يكون الكلام محدداً بحيث تنسب كل كلمة إلى قائلها فيقول الحق: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ . .} [سبأ: 46]
أي لا تأتوا في أثناء هياج الناس وتتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنون ؛ لأن قولكم في الهياج الجماهيري غير محسوب على أحد لكن المطلوب أن تقوموا لله مثنى أي اثنين اثنين ، وكل اثنين يقولان: هيا بنا نستعرض أمر هذا الرسول ونرى قضاياه: أهو كاهن؟ . أهو ساحر؟ . أهوشاعر؟ فبين الاثنين لا يضيع الحق أبداً لأن كلاًّ منهما يناقش الآخر ، وحين يجلس اثنان للنقاش ، إذا انهزم منهما واحد أمام الآخر لا يُفضح أمام الغير ، لكن حين يتناقش ثلاثة أو أربعة فكل منهم يخاف أن ينهزم أمام غيره ، ونجد كل واحد يدافع عن نفسه . ولذلك حين يجلس اثنان معاً ليتناقشا ، ويبحثا أي أمر لا يخشى أحدهما الهزيمة ؛ لذلك يأتي الأمر من الله أن يقوموا لله مثنى أو فرادى ، ويتذكر كل واحد منهم أمر هذا الرسول: أهو مجنون؟ .
إن أفعال المجنون وأعماله تكون متقطعة غير مستقيمة .