قرأ ابن عباس وابن عامر وحفص: {مُنَزَّلٌ} - بتشديد الزاي - والباقون بسكون النون. {فَلا تَكُونَنَّ} يا محمد، أو أيها المخاطب {مِنَ الْمُمْتَرِينَ} ؛ أي: من الشاكين في أن علماء أهل الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق، وأنه منزل من عند الله - سبحانه وتعالى، ولا يريبك جحود أكثرهم وكفرهم؛ أي: إن أنكر هؤلاء المشركون أن يكون القرآن حقا، وكذبوا به .. فالذين أعطيناهم الكتب المنزلة من قبله كعلماء اليهود والنصارى .. يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، ذاك أنهم يعلمون أنه من جنس الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وأن أوسع البشر علما لا يستطيع أن يأتي بمثله مع أن كتبهم تشتمل على بشارات بذلك النبي لم تكن لتخفى على علمائهم في عصر التنزيل، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وقد اعترف بذلك من أنار الله بصيرتهم من أهل الكتاب، فآمنوا وأنكر بعضهم الحق وكتمه بغيا وحسدا، فباء بالخسران المبين.
والخطاب في قوله: {فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} إما للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره على سبيل التعريض كقوله: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وإما له صلى الله عليه وسلم، والمراد النهي له عن الشك في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، فهو من باب التهييج والإلهاب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط، أو الخطاب لكل من يتأتى منه الامتراء على مثال قوله تعالى: {وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ} .
115 - {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} لما قدم من أول السورة إلى هنا دلائل التوحيد والنبوة والبعث، والطعن على مخالفي ذلك، وكان من هنا إلى آخر السورة أحكام وقصص .. ناسب ذكر هذه الآيات هنا؛ أي: تمت أقضيته ونفذت أقداره. قاله ابن عباس رضي الله عنهما.
والمعنى: