وقرأ نافع وابن عامر: {قُبُلًا} - بكسر القاف وفتح الباء - ومعناه: مقابلة؛ أي: عيانا ومشاهدة. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد ونصبه على الحال. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: {قُبُلًا} - بضم القاف والباء - فقال مجاهد وابن زيد وعبد الله بن يزيد: جمع قبيل، وهو النوع؛ أي: نوعا نوعا، وصنفا صنفا. وقال الفراء والزجاج: جمع قبيل بمعنى كفيل؛ أي: كفلا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، والقبيل والكفيل والزعيم والأدين والحميل والضمين بمعنى واحد. وقيل: قبلا بمعنى قبلا؛ أي: مقابلة ومواجهة، ومنه قولهم: أتيتك قبلا لا دبرا؛ أي: من قبل وجهك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة: {قُبُلًا} - بضم القاف وسكون الباء على جهة التخفيف من الضم - . وقرأ أبي والأعمش {قبيلا} - بفتح القاف وكسر الباء وياء بعدها - وانتصابه في هذه القراءة على الحال. وقرأ ابن مصرف بفتح القاف وسكون الباء.
112 -ثم أراد الله سبحانه وتعالى بعد ما تقدم تسلية نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أن سنته في الخلق أن يكون للنبيين أعداء من الجن والإنس، فقال: وَ {كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} استئناف مسوق لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يشاهده من عدواة قريش وما بنوه عليها من الأقاويل الباطلة ببيان أن ذلك ليس مختصا بك، بل هو أمر ابتلي به كل من سبقك من الأنبياء فصبروا، ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد لما بعده. ذكره أبو السعود؛ أي: وكما جعلنا هؤلاء المستهزئين ومن نحا نحوهم أعداء لك .. جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين سبقوا قبلك {عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} ؛ أي: أعداءهم شياطين الإنس والجن ومردتهم، والمعنى: كما ابتليناك بالأعداء .. ابتلينا من قبلك بالأعداء من الإنس والجن؛ ليعظم الأجر والثواب عند الصبر على الأذى، فلك أسوة بهم ولست منفردا بعداوة من عاصرك، بل هذه سنة من قبلك من الأنبياء.
وقال الزجاج: عدوا بمعنى: أعداء. قال تعالى: {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} ، وقال الشاعر:
إذا أنا لم أنفع صديقي بودّه ... فإنّ عدوّي لم يضرّهم بغضي