{وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ} ؛ أي وجمعنا على هؤلاء المستهزئين زيادة على ما اقترحوه {كُلَّ شَيْءٍ} من أصناف المخلوقات كالسباع والطيور حالة كونهم {قُبُلًا} ؛ أي: كفلا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم مقرين له، أو المعنى: وجمعنا عليهم كلّ شيء من المخلوقات قبلا؛ أي: فوجا فوجا، وجماعة جماعة، وصنفا صنفا، أو المعنى: وحشرنا عليهم قبلا؛ أي: مقابلة ومعاينة {ما كانُوا} ؛ أي: ما كان هؤلاء المشركون {لِيُؤْمِنُوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن {إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ} إيمانهم؛ أي: ولو أظهر الله سبحانه وتعالى جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار، فإنهم لا يؤمنون في حال من الأحوال الداعية إلى الإيمان إلا في حال مشيئة الله تعالى لإيمانهم {وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} ؛ أي: أكثر المؤمنين {يَجْهَلُونَ} عدم إيمانهم؛ أي: أن الكفار لو أوتوا بكل آية .. لم يؤمنوا، ولكن أكثر المؤمنين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات؛ لجهلهم عدم مشيئة الله تعالى لإيمانهم، فيتمنون مجيئها طمعا فيما لا يكون؛ ولذلك يتمنى بعض المؤمنين لو يؤتى مقترحوا الآيات ما اقترحوا ظنا منهم أن ذلك يكون سبب إيمانهم مع أن الآيات لا تلزمهم الإيمان، ولا تغير طباع البشر في اختيار ما يترجح لدى كل منهم بحسب ما يؤدي إليه فكره وعقله، ولو شاء الله لخلق الإيمان في قلوبهم خلقا بحيث لا يكون لهم فيه عمل ولا اختيار، وحينئذ لا يكونون محتاجين إلى الرسل، كما أنه لو شاء جعل الآيات مغيرة لطبائع البشر، وملزمة لهم أن يؤمنوا، فيكون الإيمان إلجاء وقسرا لا اختيارا وكسبا، ولكنه لم يشأ ذلك بدليل قوله تعالى: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} .
وقيل: الضمير في {أَكْثَرَهُمْ} عائد على الكفار، والمعنى: ولكن أكثر الكفار يجهلون جهلا يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب، أو يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة، أو يجهلون أن كلا من الإيمان والكفر هو بمشيئة الله وقدره. وقال الزمخشري: يجهلون، فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات.