-ثم أخبر تعالى أنه خالق الضياء والظلام، فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرّة الصباح، فيضئ الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجئ النهار بضيائه وإشراقه، وذلك من آثار قدرته - عز وجل - على خلق الأشياء المتضادّة المختلفة، الدّالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه. وكما أنه فلق الإصباح، فقد جعل الليل ساجيا مظلما لتسكن فيه الأشياء، وجعل الشمس والقمر بحساب مقنّن مقدّر، لا يتغيّر ولا يضطرب، بل لكل منها منازل يسلكها ضمن النظام الدقيق للمجوعة الشمسية مع الأرض، مما يترتب عليه ما يترتّب، والجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شيء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء.
-وكما فعل هذا كله فقد جعل النّجوم ليهتدي بها الإنسان في ظلمات البرّ والبحر،
فلولاها لضاع الإنسان ولم يستطع أن يسلك طريقا بحريا، ولا أن يهتدي في الظلام إلى طريق - وهو موضوع سنراه - فما أوضح آياته - جل شأنه - في الكون، وكم فصّل آياته في كتابه، ولكن العالم وحده هو الذي يعرفها، ويعقلها ويؤمن بالله الذي خلق السموات والأرض، وأنزل القرآن.
-وكما فعل ما مر كله فهو الذي أنشأنا من نفس واحدة - هي نفس آدم - ثمّ جعلنا نستمرّ بالتزاوج والتوالد عن طريق الأرحام والأصلاب، ولا يدرك عظمة هذه الآية - آية نشأتنا الأولى واستمرارنا عن طريق التزاوج والحمل - إلا من كان عنده فقه قلب يعي به كلام الله ومعناه.