ولقد روى البخاري عن ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار. وقالها محمّد حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» . حيث ينطوي في الحديث إيذان بأن هذه الجملة مما كان يرددها أنبياء الله حين يحزبهم أمر من الأمور فيستمدون بذلك من الله قوة وروحا.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا حسبنا الله ونعم
الوكيل» وحديثا أخرجه الإمام أحمد عن عوف بن مالك قال: «إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضى عليه لما أدبر حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي ردّوا عليّ الرجل فقال له إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل» . والحديثان لم يردا في الصحاح. وصحتهما محتملة.
وفي الأول تعليم نبويّ للمسلمين ليستمدوا منه من الله روحا وقوة حينما يحزبهم أمر عظيم. وفي الثاني تعليم بذلك مع تنبيه مهم ورائع وهو أن على المسلم أن يبذل جهده في ما يواجهه من الأمور أيضا ولا يكتفي بالاستسلام وقول حسبنا الله ونعم الوكيل. والله تعالى أعلم.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 175 إلى 177]
(إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)
في هذه الآيات:
1 -تنبيه وتثبيت للمؤمنين. فالشيطان يثير في نفوسهم الخوف من أوليائه ليقعدهم عن القتال فعليهم أن لا يستمعوا لوساوسه ولا يخافوهم بل يخافوا الله وحده إن كانوا مؤمنين حقا.
2 -وتطمين للنبي: فليس من موجب لحزنه واغتمامه بسبب الذين يسارعون في الكفر. فإنهم ليسوا بضارين الله ودينه شيئا. وقصارى أمرهم أن الله لا يوفقهم ولا يجعل لهم حظا في الآخرة ويكون لهم فيها عذاب عظيم.
3 -وتقرير تطميني بأن الذين يفضلون الكفر على الإيمان ويبيعون هذا بذاك لن يضروا الله ودينه شيئا. وإنما هم ضارون أنفسهم بما سوف يصيبهم من عذاب الله الأليم.
الجزء السابع من التفسير الحديث 18