وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ الغلول: هو الأخذ خفية، والمعنى أن النبوة تنافي الغلول، والغلول خيانة، وكذلك فسرها ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد، فقالوا في تفسيرها: ما ينبغي لنبي أن يخون، قال ابن كثير: وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه، من جميع وجوه الخيانة، في أداء الأمانة، وتقسيم الغنيمة، وغير ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في تفسيره: «بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغ أمته» ، والنبي معصوم عن ذلك كله.
وسبب النزول يحدد المعنى الأول، إذ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي يخون، وروى مثله غيره.
والصلة بين هذه الآية ومقطعها من أكثر من وجه. فالمقطع يبين ما ينبغي أن تكون عليه أخلاق المؤمنين بعد المعركة في مواقفهم مما يحدث لإخوانهم من قتل.
وهذه الآية تبين أمانة المؤمنين بعد المعركة في الغنيمة بأمانة سيدهم وقدوتهم.
وهناك صلة أخرى وذلك أن الذي دعا الرماة إلى النزول عن الجبل ومخالفة الأمر؛ الغنائم، ولا مبرر لذلك إذ ما دام حقهم سيصل إليهم بمنتهى الدقة، فلا مبرر للهلع لتصور أن يفوت بعضهم شيء. ولعل لهذا المدرك اللطيف،، فسرها حبر هذه الأمة ابن عباس فقال: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضا، ويمكن أن تكون الصلة بنوع من العطف بعيد لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا، ولا تَغْلُوا* لأن الغلول لا يصح أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأتباعه. وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: ومن يأخذ شيئا غلولا يأت بالشيء الذي غله بعينه، حاملا له كما ورد في كثير من الأحاديث، أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي: ثم تعطى كل نفس جزاءها وافيا دون أن تنقص شيئا، فكل يعطى جزاءه على قدر كسبه، والله ذو فضل. ودخل في هذا التهديد الشديد كل كاسب من الغال وغيره، والتهديد في حق الغال أشد، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرا أو شرا مجزي فموفى جزاءه، علم أنه غير متخلص مع عظم ما اكتسب.