أما كان الله بقادر أن يُجنِّب رسوله كل ذلك ؟ إنه سبحانه قادر. ولكن كل ذلك كان تكريما من الله ، ولم يرد سبحانه أن يحرم رسوله من لذة المجاهدة ، وحتى يعرِّف الله المؤمنين بمحمد نقول: إن الله لم يأت بمحمد ليدلله على خلقه ، ولكن ليدُلَّ كُلَّ مؤمن على أن رسول الله حينما حدث له ما حدث قد ذاق المجاهدة ؛ فقد فر بعض المقاتلين من المعركة فِي أحد ، وكادت ريح الهزيمة تهب على معسكر الإيمان ، ها هو ذا سيدنا أبو عبيدة رضي الله عنه يذهب إلى رسول الله فيجد حلقتي المغفر فِي وجنتيه صلى الله عليه وسلم ، فيحاول سيدنا أبو بكر أن يخلع حلقتي المغفر ، فيتألم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيقول سيدنا أبو عبيدة:
-إليك يا أبا بكر.
بالله دعني.
ويمسك أبو عبيدة بإحدى الحلقتين وينزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيته ، ثم نزع الحلقة الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى فكان أبو عبيدة - رضي الله عنه - ساقط الثنيتين ، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". وينزف دمه صلى الله عليه وسلم ، وسيدتنا فاطمة يلهمها الله أن تأتي بقطعة من حصير وتحرقها ، وتأخذ التراب الباقي من الحريق وتضمد به الجرح. إن الله لم يشأ أن يحرم رسوله لذة المجاهدة.
ويأتي أنس بن النضر ويجد الصحابة وفيهم عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وقد ألقوا ما بأيديهم ، فيسألهم أنس: ما يجلسكم ؟ فيقولون: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول: فماذا تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استقبل القوم من المشركين فقاتل حتى قتِل.