وهذه نكرة في سياق النفي فتقتضي العموم، وإن كان خفي لا بد أن سيظهر، فعدم صدق محمد في دعواه، إما أن كان ظاهراً أو خفيا فإن كان ظاهراً كان يجب أن لا يتابعه أحد، وإن تابعه لرهبته أو رغبته فبالظاهر دون الباطن، حتى إذا زالت رهبته أو رغبته بزواله رجع عنه، لأن عاقلاً لا يختار الباطل على الحق، ولا الكذب على الصدق. فكيف بهذا الجمع الكبير والجم الغفير في أقطار الأرض يختارون ذلك. هذا محال، وإن كان خفيفا وجب أن يظهر لا سيما مع دهاء العرب وذكائهم وفطنتهم وصحة، طبعهم وفطرتهم، فقد كان فيهم الكهنة والمنجمون والزجار والمتطيرون، وأكثرهم يصيبون ولا يخطئون.
منهم من الأذكياء أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وكثيرون لا يحصرهم عدد، وقد كانوا يستخرجون بأذهانهم ما هو أخفى.
ويكفيهم أن"ابن المقفع"فيلسوف العجم شهد لهم بالفضيلة على الروم والفرس وسائر الأمم فيما ذكره"أبو حيان التوحيدي"في كتاب له.
فمن المحال عادة أن يخفى عليهم أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - لو كان باطلا، فدل على أنهم ما انهرعوا إليه مع كونه أول الإسلام في نفر قليل مستضعف إلا وقد علموا صدقه، فصح قولنا: لو لم يكن محمد صادقا لكان المسيح كاذبا في قوله:"ما من خفي إلا سيظهر"وأما أن المسيح ليس
بكاذب فبالاتفاق منا ومنكم، ولو نازعتمونا في صدقه أنتم أو غيركم، لما وافقناكم على ذلك، لأنا نحن أحق به منكم.
(الحجة العاشرة)
إن من نظر في دين الإسلام فوجده معظم الرسل عيسى وموسى وغيرهما بحيث إن من سب أحدًا منهم أو تنقصه قتل.
ورأي اليهود ينتقصون محمدًا - عليه السلام - علم أن المسلمين
أهل حق لا يشوبه تحامل، وأن اليهود والنصارى أهل عناد وتجاهل.
فإن قالت اليهود: إنما غضضنا عن المسيح ومحمداً، لأنهما كاذبان.
قلنا: فالذي ثبت صدق موسى، قد أتى المسيح بما هو أعظم منه، فمقتضي التصديق مشترك. فإما أن تصدقوا الاثنين أو تكذبوهما.
أما الفرق فهَوًى وتحامل.
وإن قالت النصارى:
إنما تنقصنا محمدًا لأنه ليس بصادق.
قلنا: تلزمكم مقالة اليهود في أنهم إنما تنقصوا المسيح لأنه ليس بصادق.
فإن قالوا: اليهود كفار، عاندوا الله.
قلنا: كذلك نقول عنكم بالنسبة إلى تنقص محمد - صلى الله عليه وسلم - .
فإن قيل: اليهود عاندوا بعد قيام الحجة بإظهار المعجز، ونحن لم يأتنا محمد بمعجز.