أمسك عن الإنفاد يمتلئ غيظًا حتى يسكن به بالتدريج انتهى. والمُسْتَفَاد من قوله من كظمت
القِربة أن الكظم واقع عَلَى القِربة بعد الامتلاء فكذا في جانب المشبه. قال في القاموس: كظم
الغيظ يكظمه رده وحبسه، ويجوز كون الإمساك مَجَازًا مرسلًا بعلاقة اللزوم.
قوله: (وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم «من كظم غيظًا وهو يقدر على إنقاذه ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا) .
وهو يقدر حال مؤكدة إن اعتبر في الكظم القدرة كما أشار إليه المصنف والْحَديث أخرجه
أحمد وعبد الرزاق عن أبي هريرة - رضي الله تَعَالَى عنه - . وفي ملأ قلبه إشَارَة إلَى أن الْجَزَاء
من جنس الحمل وكذا ذكر الأمن، وأما ذكر الإيمان فباعْتبَار زيادة قوة اليقين أو زيادة شعبه
وثمراته، وتقديم الأمن لزيادة مناسبته لكظم الغيظ فاخْتيرَ طريق الترقي، والْمُرَاد بالملأ كمال
انشراحه وسعة مناجاة ربه في خلوته وكثرته.
قوله: (التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته) إشَارَة إلَى الفرق؛ إذ الكظم يتحقق بلا
عفو بترك العمل بمقتضاه حالًا ثم العمل حسبما ساعده الشرع المتين. وضمير استحقوا
راجع إلَى الْمَعَافين والعدول إلَى صيغة الْفَاعل لإفادة الاسْتمْرَار؛ إذ كون هذين الوصفين
ممدوحًا باعْتبَار الدوام ما وافق الشرع، وأما الإنفاق فلا يعتبر فيه الدوام والاسْتمْرَار فاخْتيرَ
صيغة الْمُضَارِع المفيد للتجدد وقتًا بعد وقت بدون إسراف، واختيار هذه الخصال الحميدة
من بين الأوصاف الحسنة لكمال مساسها بقصة الغزوة حيث أنفق فيها في سبيل الله وفعل
فيها كظم الغيظ والعفو عن النَّاس وقد رجع ابن أُبي عن [الغزو] ورسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ
كظم الغيظ ولم يظهر نفاقه لعامة الْمُسْلمينَ وعفا عن الرماة ولم يؤاخذهم بما فعلوا من
المخالفة حتى وقع ما وقع وعفا عن الْمُشْركينَ حيث عرض إهلاكهم بما أراده فقال اللهم
اغفر لقومي فإنهم لا يَعْلَمُونَ. فاتضح حسن موقع هذه الأوصاف الجميلة هنا. وتقديم
الإنفاق لأن المال شقيق الروح فبذله أتعب وأجره أضعف وكظم الغيظ لكونه مالكًا لنفسه
وقت الغضب في غاية من الحسن.
قوله:(وعن النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ «إن هؤلاء في أمتي قليل [إلا من عصم] الله» وقد كانوا
كثيرًا في الأمم التي مضت) استثناء من المفهوم أي إن هَؤُلَاء في أمتي معدوم إلا فيمن
عصمه الله فيكون متصلًا لكن بتقدير في، وإن أبقى القلة عَلَى معناها يكون الاستثناء منقطعًا
والْمَعْنَى أن هَؤُلَاء في أمتي قليل إلا من عصمه اللَّه فإنه أي العفو كثير فيه وقد عرفت أنه قد
يكون في المفضول من الخصال الحميدة ما لا يكون في الفاضل وكثرة هذه الخصلة في
الأمم السالفة [وقلتها] في هذه الأمة لا يقتضي تفضيلهم عَلَى هذه الأمة خير الأمم من كل
الْوُجُوه، فلا وجه لما تكلفه البعض في توجيهه عَلَى وجه يستلزم قدح الأمم الْمَاضية ومنشأه
الأوهام الواهية.
قوله: (والله يحب الْمُحْسِنِينَ) يحتمل الجنس ويدخل تحته هَؤُلَاء