وَجَاءَ رَجُلٌ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالْقَتْلَى، فَتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ. قَالَ: فَرَجَعْنَا بِهِمَا، فَدَفَنَّاهُمَا فِي الْقَتْلَى حَيْثُ قُتِلَا، فَبَيْنَا أَنَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا جابر، وَاللَّهِ لَقَدْ أَثَارَ أَبَاكَ عُمَّالُ معاوية، فَبَدَا، فَخَرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تَرَكْتُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ. قَالَ: فَوَارَيْتُهُ، فَصَارَتْ سُنَّةً فِي الشُّهَدَاءِ أَنْ يُدْفَنُوا فِي مَصَارِعِهِمْ».
وَمِنْهَا: جَوَازُ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يَدْفِنُ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ، وَيَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فَإِذَا أَشَارُوا إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ» .
وَدَفَنَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَعَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَحَبَّةِ فَقَالَ: «ادْفِنُوا هَذَيْنِ الْمُتَحَابَّيْنِ فِي الدُّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ»
ثُمّ حُفِرَ عَنْهُمَا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَيَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ عَلَى جُرْحِهِ كَمَا وَضَعَهَا حِينَ جُرِحَ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ، فَانْبَعَثَ الدَّمُ فَرُدَّتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَسَكَنَ الدَّمُ.
وَقَالَ جابر: (رَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ حِينَ حُفِرَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ نَائِمٌ، وَمَا تَغَيَّرَ مِنْ حَالِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. وَقِيلَ لَهُ: أَفَرَأَيْتَ أَكْفَانَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا دُفِنَ فِي نَمِرَةٍ، خُمِّرَ وَجْهُهُ، وَعَلَى رِجْلَيْهِ الْحَرْمَلُ، فَوَجَدْنَا النَّمِرَةَ كَمَا هِيَ، وَالْحَرْمَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً) .
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ]