في قوله تعالى: {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} قال صاحب"الانتصاف": إن هذه الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطاً آخر ، يعطف عليه الشروط المقترنة به ضرورة . والعادة فِي مثل ذلك أن يكون المنطوق به منبهاً على المسكوت عنه بطريق الأولى . مثاله: قولك: أكرم زيداً ولو أساء ، فهذه الواو عطفت المذكور على محذوف تقديره: أكرم زيداً ولو أساء ، إلا أنك نبهت بإيجاب إكرامه وإن أساء ، على أن إكرامه أن أحسن بطريق الأولى . ومنه: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] . معناه والله أعلم: لو كان الحق على غيركم ولو كان عليكم ، ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم ، فأوجبه تنبيهاً على ما هو أسهل وأولى بالوجوب ، فإذا تبين مقتضى الواو فِي مثل هذه المواضع وجدت آية آل عِمْرَان هذه مخالفة لهذا النمط ظاهراً ، لأن قوله: {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} . يقتضي شرطاً آخر محذوفاً ، يكون هذا المذكور منبهاً عليه بطريق الأولى . وهذه الحال المذكورة ، وهي حالة افتدائهم بملء الأرض ذهباً ، هي حالة أجدر الحالات بقبول الفدية ، وليس وراءها حالة أخرى تكون أولى بالقبول منها ، فلذلك قدر الزمخشري الكلام بمعنى: لن يقبل من أحد منهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً . حتى تبين حالة أخرى يكون الافتداء الخاص بملء الأرض ذهباً هو أولى بالقبول منها ، فإذا انتفى حيث كان أولى فلأن ينتفي فيما عدا هذه الحالة أولى ؛ فهذا كله بيان للباعث له على التقدير المذكور . وأما تنزيل الآية عليه فعسر جداً ، فالأولى ذكر وجه يمكن تطبيق الآية عليه على أسهل وجه وأقرب مأخذ إن شاء الله . فنقول: قبول الفدية التي هي ملء الأرض ذهباً يكون على أحوال:
منها: أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية عن نفسه كما تؤخذ الدية قهراً من مال القاتل على قول .
ومنها: أن يقول المفتدي فِي التقدير: أفدى نفسي بكذا - وقد لا يفعل - .