وقال صاحبُ النَّظْمِ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} : نفيٌ، والنفي واقع غير موقعه؛ لأن التأويل ما كان لبشر يُؤتِيَه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ. وقوله تعالى: {يُؤتِيَهُ اَللَّهُ} صفة للنكرة؛ على تأويل: (ما كان لِبَشَرٍ يكون بهذه الحال، أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله) .
فالمنفي: قوله: (أن يقول الناس) . فلمَّا وقع {أَنْ} في غير موقعه، نسق عليه بـ {ثُمَّ} . ففي الآية تقديم حرف حقُّهُ أن يُؤَخَّرَ، ومثله من تقديم ما وجب أن يؤخر في النظم: قوله تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ} [الفتح: 25] ، التأويلُ: ولولا أن تطؤوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ لم تعلموهم؛ أي: لم تعرفوهم.
وقوله تعالى: {كُونُوا عِبَادًا لِي} . قال ابن عباس: هذه لغة مُزَيْنَة، تقول للعبيد: (عِبَاد) .
وقوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . أي: ولكن تقول: كُونُوا، فحذف القول؛ لدلالة الأولى عليه.
و (الرَّبّانِي) : العالم، في قول كلهم.
أخبرني العَرُوضِيُّ، عن الأزهري، قال: أخبرني المُنْذِري، عن أبي طالب، قال: الرَّبّاني: العالم. والجماعة: الربّانِيُّون. وقال أبو العباس: الربَّانِيُّون: العلماء.
وقال سيبويه: زادوا ألِفًا ونونًا في (الرَّبّاني) ، إذا أرادوا تخصيصًا بعلم الرَّبِّ، دون غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: (شَعْراني) ، و (لِحْيانِي) ، و (رَقَباني) : إذا خُصَّ بكثرة الشَّعْر، وطول اللِّحْيَة، وغِلظ الرَّقَبَة. فإذا نسبوا إلى الشَّعْر، قالوا: (شَعْرِي) ، وإلى الرَّقَبَة: (رَقَبِي) ، وإلى اللِّحْيَة: (لِحْيِي) .
وقال ابنُ الأعرابي: الرباني: العالم المُعَلِّم، الذي يَغْدُوا الناسَ بصِغار العلوم قبل كبارها.