يَقُولُ:"هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، قَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تُخْبِرُوهُمْ بِمَا بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ فِي كِتَابِهِ لِيُحَاجُّوكُمْ، قَالَ: لِيُخَاصِمُوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ"
{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} مُعْتَرَضٌ بِهِ، وَسَائِرُ الْكَلَامِ مُتَّسِقٌ عَلَى سِيَاقٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ اتَّبَعَ دِينَكُمْ، وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، بِمَعْنَى: لَا يُؤْتَى أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا أُوتِيتُمْ، {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} بِمَعْنَى: أَوْ أَنْ يُحَاجَّكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَحَدٌ بِإِيمَانِكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بِمَا فَضَّلَكُمْ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ كُلُّهُ خَبَرًا عَنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} سِوَى قَوْلِهِ: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} ثُمَّ يَكُونُ الْكَلَامُ مُبْتَدَأً بِتَكْذِيبِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: قُلْ يَا مُحَمَّدٍ لِلْقَائِلِينَ مَا قَالُوا مِنَ الطَّائِفَةِ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ قَوْلَهَا لِتُبَّاعِهَا مِنَ الْيَهُودِ {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} إِنَّ التَّوْفِيقَ تَوْفِيقُ اللَّهِ، وَالْبَيَانَ بَيَانُهُ، وَإِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، لَا مَا تُمَنَّيْتُمُوهُ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّهَا مَعْنًى، وَأَحْسَنُهَا اسْتِقَامَةً عَلَى مَعْنَى كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَشَدُّهَا اتِّسَاقًا عَلَى نَظْمِ الْكَلَامِ وَسِيَاقِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ فَانْتِزَاعٌ يَبْعُدُ مِنَ الصِّحَّةِ عَلَى اسْتِكْرَاهٍ شَدِيدِ الْكَلَامِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}