وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَفَلَا تَعْقِلُونَ، تَفْقَهُونَ خَطَأَ قِيلِكُمْ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ حَدَثَتْ مِنْ بَعْدِ مَهْلِكِهِ بِحِينٍ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: {هَا أَنْتُمْ} هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ خَاصَمْتُمْ وَجَادَلْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمُ الَّذِي وَجَدْتُمُوهُ فِي كُتُبِكُمْ، وَأَتَتْكُمْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ مِنْ عِنْدِهِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ، وَثَبَتَتْ عِنْدَكُمْ صِحَّتُهُ، {فَلِمَ تُحَاجُّونَ} ؟ يَقُولُ: فَلِمَ تُجَادِلُونَ وَتُخَاصِمُونَ {فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} يَعْنِي الَّذِي لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، وَلَمْ تَجِدُوهُ فِي كُتُبِ اللَّهِ، وَلَا أَتَتْكُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُكُمْ، وَلَا شَاهَدْتُمُوهُ فَتَعْلَمُوهُ.
عَنِ السُّدِّيِّ:"أَمَّا الَّذِي لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ: فَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وَمَا أُمِرُوا بِهِ، وَأَمَّا الَّذِي لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ: فَشَأْنُ إِبْرَاهِيمَ"
وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ فَلَمْ تُشَاهِدُوهُ وَلَمْ تَرَوْهُ وَلَمْ تَأْتِكُمْ بِهِ رُسُلُهُ مِنْ أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَمِمَّا تُجَادِلُونَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا عَايَنْتُمْ فَشَاهَدْتُمْ، أَوْ أَدْرَكْتُمْ عِلْمَهُ بِالْإِخْبَارِ وَالسَّمَاعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) }