واعلم أنه لا بد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جواباً عما حكاه عنهم ؟ فنقول: أما على الوجه الأول وهو قولهم لا دين إلا ما هم عليه ، فهذا الكلام إنما صلح جواباً عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت ديناً من جهة الله ، لأنه تعالى أمر به وأرشد إليه وأوجب الانقياد له وإذا كان كذلك ، فمتى أمر بعد ذلك بغيره ، وأرشد إلى غيره ، وأوجب الانقياد إلى غيره كان نبياً يجب أن يتبع ، وإن كان مخالفاً لما تقدم ، لأن الدين إنما صار ديناً بحكمه وهدايته ، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته ، ونظيره قوله تعالى جواباً لهم عن قولهم {مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب} [البقرة: 142] يعني الجهات كلها لله ، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة شاء ، وأما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى الله ، وقد جئتكم به فلن ينفعكم فِي دفعه هذا الكيد الضعيف.
ثم قال تعالى: {أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ} .
واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة ، فنقول هذا إما أن يكون من جملة كلام الله تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود ، ومن تتمة قولهم {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الاحتمالين قوم من المفسرين.
أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه