وإذا كانت المرأة مسئولة مسئولية خاصة فيما يختص بعبادتها ونفسها، فهي في نظر الإسلام أيضاً مسئولة مسئولية عامة فيما يختص بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والإرشاد إلى الفضائل، والتحذير من الرذائل. وقد صرح القرآن بمسئوليتها في ذلك الجانب، وقرن بينها وبين أخيها الرجل في تلك المسئولية، كما قرن بينها وبينه في مسئولية الانحراف عن واجب الإيمان والإخلاص لله وللمسلمين (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (11) (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون * وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) .
فليس من الإسلام أن تلقى المرأة حظها من تلك المسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أكبر مسئولية في نظر الإسلام على الرجل وحده، بحجة أنه أقدر منها عليها، أو أنها ذات طابع لا يسمح لها أن تقوم بهذا الواجب، فللرجل دائرته، وللمرأة دائرتها، والحياة لا تستقيم إلا بتكاتف النوعين فيما ينهض بأمتهما، فإن تخاذلا أو تخاذل أحدهما انحرفت الحياة الجادة عن سبيلها المستقيم ..
والإسلام فوق ذلك لم يقف بالمرأة عند حد اشتراكها مع أخيها الرجل في المسئوليات جميعها خاصها وعامها بل رفع من شأنها، وكرر تلقاء تحملها هذه المسئوليات احترام رأيها فيما تبدو وجاهته، شأنه في رأى الرجل تماماً سواءً بسواء. وإذا كان الإسلام جاء باختيار آراء بعض الرجال، فقد جاء أيضاً باختيار رأى بعض النساء.
وفي سورة المجادلة احترم الإسلام رأى المرأة، وجعلها مجادلة ومحاورة للرسول، وجمعها وإياه في خطاب واحد (والله يسمع تحاوركما) (13) وقرر رأيها، وجعله تشريعاً عامًّا خالداً .. فكانت سورة المجادلة أثراً من آثار الفكر النسائى، وصفحة إلهية خالدة نلمح فيها على مر الدهور صورة احترام الإسلام لرأى المرأة، فالإسلام لا يرى المرأة مجرد زهرة، ينعم الرجل بشم رائحتها، وإنما هي مخلوق عاقل مفكر، له رأى، وللرأى قيمته ووزنه.