فعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم"إنا أمة أُمية، لا نكتب ولا نحسب". رواه البخارى ومسلم والنسائى وأبو داود والإمام أحمد فهو يصف"واقعاً"، ولا يشرع لتأييد الجهل بالكتابة والحساب، لأن القرآن الكريم قد بدأ بفريضة"القراءة"لكتاب الكون ولكتابات الأقلام (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) (1) ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي وصف"واقع"الأمية الكتابية والحسابية، وهو الذي غير هذا الواقع، بتحويل البدو الجهلاء الأميين إلى قراء وعلماء وفقهاء، وذلك امتثالاً لأمر ربه، في القرآن الكريم، الذي علمنا أن من وظائف جعل الله سبحانه وتعالى القمر منازل أن نتعلم عدد السنين والحساب (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراًوقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون) . فوصف"الواقع"- كما نقول الآن مثلاً:"نحن مجتمعات متخلفة"لا يعني شرعنة هذا"الواقع"ولا تأييده، فضلاً عن تأبيده، بأى حال من الأحوال.
وثالثتها: أن في بعض روايات هذا الحديث وخاصة رواية ابن عباس رضي الله عنهما ما يقطع بأن المقصود به إنما هي حالات خاصة لنساء لهن صفات خاصة، هي التي جعلت منهن أكثر أهل النار، لا لأنهن نساء، وإنما لأنهن كما تنص وتعلل هذه الرواية"يكفرن العشير"، ولو أحسن هذا العشير إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منه هِنَةً أو شيئاً لا يعجبها، كفرت كفر نعمة بكل النعم التي أنعم عليها بها، وقالت بسبب النزق أو الحمق أو غلبة العاطفة التي تنسيها ما قدمه لها هذا العشير من إحسان:"ما رأيت منك خيراً قط"! رواه البخارى ومسلم والنسائى ومالك في الموطأ ..
فهذا الحديث إذن وصف لحالة بعينها، وخاص بهذه الحالة .. وليس تشريعاً عامًّا ودائماً لجنس النساء ..
ورابعتها: أن مناسبة الحديث ترشح ألفاظه وأوصافه لأن يكون المقصود من ورائها المدح وليس الذم .. فالذين يعرفون خُلق من صنعه الله على عينه، حتى جعله صاحب الخُلق العظيم (وإنك لعلى خلق عظيم) ..