على أن مجرد استقرار هذه الحقيقة فِي الضمير.. مجرد شعور الإنسان بحقيقة المالك - سبحانه - لما فِي السماوات وما فِي الأرض.. مجرد تصور الإنسان لخلو يده هو من ملكية أي شيء مما يقال: إنه يملكه ؛ ورد هذه الملكية لصاحبها الذي له ما فِي السماوات وما فِي الأرض.. مجرد إحساسه بأن ما فِي يده عارية لأمد محدود ، ثم يستردها صاحبها الذي أعارها له فِي الأجل المرسوم.. مجرد استحضار هذه الحقائق والمشاعر كفيل وحده بأن يطامن من حدة الشره والطمع ، وحدة الشح والحرص ، وحدة التكالب المسعور. وكفيل كذلك بأن يسكب فِي النفس القناعة والرضى بما يحصل من الرزق ؛ والسماحة والجود بالموجود ؛ وأن يفيض على القلب الطمأنينة والقرار فِي الوجدان والحرمان سواء ؛ فلا تذهب النفس حسرات على فائت أو ضائع ؛ ولا يتحرق القلب سعاراً على المرموق المطلوب!
{من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟} ..
وهذه صفة أخرى من صفات الله ؛ توضح مقام الألوهية ومقام العبودية.. فالعبيد جميعاً يقفون فِي حضرة الألوهية موقف العبودية ؛ لا يتعدونه ولا يتجاوزونه ، يقفون فِي مقام العبد الخاشع الخاضع ؛ الذي لا يقدم بين يدي ربه ؛ ولا يجرؤ على الشفاعة عنده ، إلا بعد أن يؤذن له ، فيخضع للإذن ويشفع فِي حدوده.
.وهم يتفاضلون فيما بينهم ، ويتفاضلون فِي ميزان الله. ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد..
إنه الإيحاء بالجلال والرهبة فِي ظل الألوهية الجليلة العلية. يزيد هذا الإيحاء عمقاً صيغة الاستفهام الاستنكارية ؛ التي توحي بأن هذا أمر لا يكون ؛ وأنه مستنكر أن يكون. فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟