قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى: ومن جملته: ومن يكفر بالذي يدعو إلى عبادة غير اللَّه، ويكذبه في ذلك، ويؤمن بالذي يدعو إلى عبادة اللَّه، ويصدقه، أنه داع إلى حق. وقوله تعالى: (وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) .
فيه دلالة: أن الإيمان باللَّه هو إيمان بالأنبياء والرسل والكتب جميعًا، إذ لم يذكر معه غيره، والكفر بالذي ذكرت يمنع حقيقة الإيمان باللَّه؛ لأنه في آخر السورة ذكر (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) ، على طريق التفضيل -، من آمن باللَّه آمن به وبأمره ونهيه وشرائعه - لكن الذي قال: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) ، لقول قوم حيث قالوا: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وإلا لكان في الإيمان باللَّه إيمان بجميع ذلك.
وقوله تعالى: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
يحتمل هذا وجهين:
يحتمل: فقد عقد لنفسه عقدًا وثيقًا لا انقصام لذلك العقد ولا انقطاع، لا تقوم الحجة ببعضه.
ويحتمل: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) ، بنصره إياه بالحجج والبراهين النيرة التي من اعتصم بها لا انفصال بها عنه ولا زوال.
ثم فيه نقض على المعتزلة؛ لأنه أخبر عَزَّ وَجَلَّ أن من آمن باللَّه فقد استمسك بكذا.
والمعتزلة يقولون: صاحب الكبيرة يخلد في النار، وهو مؤمن باللَّه، فأية عروة أوهَى من هذا على قولهم؟ وأن له زوالاً وانقطاعًا من ثوابه الذي وعد له عَزَّ وَجَلَّ بإيمانه وتصديقه به. وباللَّه العصمة.
وقوله تعالى: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لقولهم، (عَلِيمٌ) بثوابهم.
أو (سَمِيعٌ) ، بإيمانهم، (عَلِيمٌ) ، بجزاء إيمانهم. واللَّه أعلم. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 2/ 232 - 241} ...