عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا مِنْ جِيرَتِهِ فَوَجَدَهُ فِي السُّوقِ وَهُوَ يُغَرْغِرُ لَا يَفْقَهُونَ مَا يُرِيدُ، فَسَأَلَهُمْ: «يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ» ؟ قَالُوا: نَعَمْ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ» ؟ قَالُوا: لَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى انْكَسَرَ لِسَانُهُ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:"أَفْلَحَ صَاحِبُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ} "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} وَالْعُرْوَةُ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَثَلٌ لِلْإِيمَانِ الَّذِي اعْتَصَمَ بِهِ الْمُؤْمِنُ، فَشَبَّهَهُ فِي تَعَلُّقِهِ بِهِ وَتَمَسُّكِهِ بِهِ بِالْمُتَمَسِّكِ بِعُرْوَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ عُرْوَةٌ يُتَمَسَّكُ بِهَا، إِذْ كَانَ كُلُّ ذِي عُرْوَةٍ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ مَنْ أَرَادَهُ بِعُرْوَتِهِ، وَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْإِيمَانَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الْكَافِرُ بِالطَّاغُوتِ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْأَشْيَاءِ بِقَوْلِهِ: {الْوُثْقَى} وَالْوُثْقَى: فُعْلَى مِنَ الْوَثَاقَةِ، يُقَالُ فِي الذَّكَرِ: هُوَ الْأَوْثَقُ، وَفِي الْأُنْثَى: هِيَ الْوُثْقَى، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ الْأَفْضَلُ وَفُلَانَةُ الْفُضْلَى.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا انْفِصَامَ لَهَا}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {لَا انْفِصَامَ لَهَا} لَا انْكِسَارَ لَهَا، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ {لَهَا} عَائِدٌ عَلَى الْعُرْوَةِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَمَنْ يُكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ، فَقَدِ اعْتَصَمَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ بِمَا لَا يَخْشَى مَعَ اعْتِصَامِهِ خِذْلَانَهُ إِيَّاهُ وَإِسْلَامَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي أَهْوَالِ الْآخِرَةِ، كَالْمُتَمَسِّكِ بِالْوَثِيقِ مِنْ عُرَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُخْشَى انْكِسَارُ عُرَاهَا، وَأَصْلُ الْفَصْمِ: الْكَسْرُ وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر المتقارب]
وَمَبْسِمُهَا عَنْ شَتِيتِ النَّبَا ... تِ غَيْرِ أَكَسَّ وَلَا مُنْفَصِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}