وَقَالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْقِتَالُ
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَاصٍّ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ وَالْمَجُوسُ، وَكُلُّ مَنْ جَاءَ إِقْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ الْمُخَالِفِ دَيْنَ الْحَقِّ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهَا مَنْسُوخًا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِنَا كِتَابِ «اللَّطِيفُ مِنَ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ» مِنْ أَنَّ النَّاسِخَ غَيْرُ كَائِنٍ نَاسِخًا إِلَّا مَا نَفَى حُكْمَ الْمَنْسُوخِ، فَلَمْ يُجْزَ اجْتِمَاعُهُمَا، فَأَمَّا مَا كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصَ، فَهُوَ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يُقَالَ: لَا إِكْرَاهَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا قَدْ نَقَلُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَكْرَهَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَوْمًا، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ إِنِ امْتَنَعُوا مِنْهُ، وَذَلِكَ كعَبْدةِ الْأَوْثَانِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَكَالْمُرْتَدِّ عَنْ دِينِهِ دَيْنِ الْحَقِّ إِلَى الْكُفْرِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، وَأَنَّهُ تَرَكَ إِكْرَاهَ آخَرِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِقَبُولِهِ الْجِزْيَةَ مِنْهُ، وَإِقْرَارِهِ عَلَى دِينِهِ الْبَاطِلِ، وَذَلِكَ كَأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} إِنَّمَا هُوَ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ حَلَّ قَبُولُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِأَدَائِهِ الْجِزْيَةَ، وَرِضَاهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةُ الْحُكْمِ بِالْإِذْنِ بِالْمُحَارَبَةِ.