وَقَوْلُهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} وَعَادَةُ الْعَرَبِ فِي الذَّبَائِحِ لِلْأَوْثَانِ غَيْرُ مَانِعٍ اعْتِبَارَ عُمُومِ الْآيَةِ فِيمَا اقْتَضَاهُ مِنْ تَحْرِيمِ مَا سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ وَمَيْسَرَةَ ، أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ:"إذَا سَمِعْتُمْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُهِلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلُوا ، وَإِذَا لَمْ تَسْمَعُوهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ"وَهُوَ يُعْلَمُ مَا يَقُولُونَ وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ
بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ لِإِبَاحَةِ اللَّهِ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا يَقُولُونَ ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَكَرُوا ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعْقُودَةٌ بِشَرِيطَةِ أَنْ لَا يُهِلُّوا لِغَيْرِ اللَّهِ ؛ إذْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا اسْتِعْمَالَ الْآيَتَيْنِ بِمَجْمُوعِهِمَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ مَا لَمْ يُهِلُّوا بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ النَّصْرَانِيَّ إذَا سَمَّى اللَّهَ فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِذَا كَانَ إرَادَتُهُ كَذَلِكَ وَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّةَ ذَبِيحَتِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُهِلٌّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ إذَا أَظْهَرَ مَا يُضْمِرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إرَادَتِهِ الْمَسِيحَ.