وقال بعض السلف: أول أحوال المحبة الموافقة والإقبال على من هو مقبل عليه، والأعراض عمن هو معرض عنه، وخوف السقوط من عينيه، قال ومن علامة حب النبي - صلى الله عليه وسلّم - حب القرآن فحب القرآن حب ما حمداه وبعض ما ذماه.
قال بعضهم: علامة المحبة إستجلاء الطاعة ولزوم الخدمة وإدامة الفكرة.
وقال بعضهم: الحب اللزوم، فإن من أحب شيئاً لزم ذكره قلبه فمحبة الله تعالى لزوم ذكره، وهذا الذي فسر به هذا القول: المحبة من أنه وموافق لقول أهل اللسان لأنهم يقولون: أحب وإذا ترك فلزم مكانه.
وقيل في قوله - عز وجل - حكاية عن سليمان - صلى الله عليه وسلّم -: إني أحببت، أي كسلت فأقمت مكاني من حب الخيل حتى توارت الشمس بالحجاب، ولم أقم الصلاة.
وقد قال - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلّم -: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} أي أنكم تحبون الله فإني قائم بالدعاء إلى الله جل ثناؤه، وأداء حقوقه والجهاد في سبيله وإعلاء كلمته وحشر الناس إلى دينه، فلا أحد أشد موافقة لكم مني، فأحبوني تحبوا الله، واتبعوني فإن محبتكم لله تعالى تقتضي اتباعي لا مخالفتي والإزورار عني، فإن أبيتم فاعلموا أنكم غير محبي الله، وأن اسم العداوة والبغض أولى بكم وألزم بكم من اسم المحبة والله أعلم.
وقال الله عز وجل: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
فأعلمهم جل ثناؤه أنهم إذا قعدوا عن الجهاد إشفاقاً من أن يصابوا فيتضرر بذلك قراباتهم أو حسرة على المساكن التي يرضونها، وأسفاً على ما يفوتهم من التنعم بسكناها، أو شحاً بالأموال التي اكتسبوها، وخوفاً من نقصانها، لم يكونوا محبين لله - عز وجل - بل كان ما يتركون لأجله الجهاد في سبيله، ويحملوا بسببه كفر الكفار، وغيهم وانتهاكهم محارم الله، هو الأحب إليهم والآثر لديهم.
فإن واحداً من أمثالهم لو سبهم وأذاهم وأسمعهم في أنفسهم أو في بعض أسلافهم، وحب لأحدهم امرأة أو جارية لقاتلوه ولم ينتفعوا على أموالهم ولا مساكنهم ولا على ما يكسد من تجارتهم.