ومن عجيب اقدار الله تعالى بالرياح والتقويم: أنه جلَّ ذكره قد خلق الأرض
والسماوات وقدَّر فيها أقواتها، وأوحى في كل سماء أمرها بتنفيذ جميع ما ينبته عن
الماء والرياح والهواء والأرض، ويخلق ما يشاء خلقه، ثم يجعل من النبات هشيمًا ما
شاء، ومن حياتها حطامًا، ومن حيوانها أمواتًا، ويسلط - عز وجل - الشمس فتبخر رطوبات
ذلك كله، فيصعد ذلك منه بإذن الله تبارك وتعالى، وتحمله الرياح في الهواء فتذروه
وتنسفه، فيعده اللَّه هواء كما كان أول مرة، فيكون مخزونًا ذلك كله في الهواء.
ثم إلى مثلها يرسل الله الرياح مبشرات بغياثه وبشرا بين يدي رحمته، فينزل الماء
من السماء بمثلها هكذا منذ خلق السماوات والأرض إلى يوم الانقراض يصعدها
نباتًا وحيوانًا، يجعل النسيم والأرواح في منازلها ويحلها محلها، ويمزج معاني
الأجسام في الأرض والسماء رطوبات، ثم أهوية معاني في خزائنه، فإذا كان يوم
القيامة وأراد ربك - جلَّ جلالُه - إعادة كل شيء أخذ من شيء أن يرده فيرجع ما ذهب منه
أول على طريقه التي ذهب منه، على اختلاف ذلك وامتزاجه فيما هو كلمح البصر
أو هو أقرب، كما قال - عز وجل -: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20) .
يقول عز من قائل لما خزنه في الأرض من أرضيات أجسامهم: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) إلى قوله عز قوله: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(31) .
ويقول جل من قائل للجملة منهم: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) يعني وهو أعلم بما تقدم ذكره، ثم قال تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(19) قل قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ).
يعني: ما كان من الأمم الخالية والقرون السالفة إلى قوله جل قوله:(وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاءِ)لو نظرتم بحقيقة النظر لرأيتم.
قال الله جل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) أي: التي تدل وتنبئ عما هو