وكتب بعضهم إلى صديق له يعزيه بأخيه ويسليه:
ما تصنع يا أخي والقضاء نازل والموت حكم شامل، وإن لم تلذ بالصبر فقد اعترضت على مالك الأمر، وأنت تعلم
أن نوائب الدهر لا تدفع إلا بعزائم الصبر، فاجعل بين هذه اللوعة الغالبة والدمعة الساكبة حاجبا من فضلك وحاجزا من عقلك ودافعا من دينك ومانعا من يقينك، فإن المحن إذا لم تعالج بالصبر كانت كالمنح إذا لم تقابل بالشر، فصبرا صبرا، ففحول الرجال لا تستفزّها الأيام بخطوبها، كما أن متون الجبال لا تهزها العواصف بهبوبها، فعزيز علي أن أخاطب مولاي معزّيا وأكاتب مسليا عن كبير أو صغير مما يتعلق بخدمته أو ينتهي إلى جملته، فكيف بالصنو الأكرم والذخر الأعظم والركن الأشد والسهم الأسد والشهاب الأسطع والحسام الأقطع، لكن التعزية سيرة سائرة وسنة ماضية غابرة، وقدر الله هو المقدر وأجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولولا أن الذكرى تنفع والتعزية يستوي فيها الأشرف والأوضع، لأجللت مولاي أن أفاتحه معزيا وأخاطبه مسليا، ولكن بحمد الله العالم لا يعلم والسابق لا يتقدم فبمولاي يقتدى في الصبر على النوائب وبنوره يهتدى في مشكلات المذاهب، وكل ما كان من الرزء أوجع كان الأجر عليه أوسع. جعل الله مولاي من الصابرين على المصيبة وأعظم أجره وجعل الجنة نصيبه.
وعزّى رجل فتى عن أبيه فلم يجده كما أحب فقال:
يا بني سوء الخلف أضر علينا من فقد السلف. ومات لبعض ملوك كندة ابنة فوضع بين يديه بدرة من المال وقال: من بالغ في تعزيته فهي له، فدخل عليه أعرابي وقال: عظم الله أجر الملك كفيت المؤونة وسترت العورة، ونعم الصهر القبر، فقال: قد أبلغت وأوجزت ثم دفعها له.
وعزّت أعرابية قوما فقالت: جافى الله عن ميتكم الثرى وأعانه على طول البلى وآجركم ورحمه. وكان لعلي بن الحسين جليس مات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا، فعزاه علي بن الحسين رحمه الله ووعظه فقال: يا ابن رسول الله إن ابني كان مسرفا على نفسه، فقال:
لا تجزع، فإن من ورائه ثلاث خلال. أولهن: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن سيدنا محمدا رسول الله، والثانية:
شفاعة جدي صلى الله عليه وسلم، والثالثة: رحمة الله التي وسعت كل شيء ، فأين يخرج ابنك عن واحدة من هذه الخلال.