الفصل الثاني من هذا الباب في التعازي والتأسي
روى الترمذي في كتاب السنن للبيهقي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عزى مصابا فله مثل أجره» .
وروينا في كتاب الترمذي أيضا بسند متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عزى ثكلى كسي برداء في الجنة» .
وروينا في سنن ابن ماجه والبيهقي بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» .
واعلم أن التعزية هي التصبير وذكر ما يسلي صاحب الميت ويخفف حزنه ويهون مصيبته وهي مستحبة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أيضا داخلة في قوله تعالى: {وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى}
وهي من أحسن ما يستدل به في التعزية.
وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» .
واعلم أن التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده، وتكره بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد ثلاثة أيام، فلا يجدد الحزن. هكذا قال الجماهير من أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه.
وقيل: إنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين، وهما إذا كان المعزّي أو صاحب المصيبة غائبا حال الدفن فاتفق رجوعه بعد الثلاثة، وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه فبأي لفظ عزاه حصلت، واستحب أصحاب الشافعي أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: عظم الله أجرك، وأحسن عزاءك وغفر لميتك. وفي المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وفي الكافر بالكافر: أخلف الله عليك ولا نقص لك عددا.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فقد بعض أصحابه فسأل عنه فقالوا:
يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عن بنيه، فقال: يا رسول الله هلك، فعزاه فيه ثم قال:
يا فلان أيما كان أحب إليك أن تتمتع به عمرك أو لا تأتي غدا بابا من أبواب الجنة إلا وجدته وقد سبقك إليه، فيفتحه لك؟ فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقه إلى باب الجنة أحب إلي من التمتع به في دار الدنيا. قال: ذلك لك.
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي رحمهما الله: