إن قيل: على أي وجه شهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - علي الأمة وشهادة الأمة على الناس ؟ قيل: الشاهد هو العالم بالشيء المخبر عنه مبينا ، حكمه ، وأعظم شاهد من ثبتت شهادته بحجة ، ولما خص الله تعالى الإنسان بالعقل والتمييز بين الخير والشر وكمله ببعثة الأنبياء ، وخص هذه الأمة بأتم كتاب ، كما وصفه بقوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ، فأفادناه - عليه السلام - وبينه لنا صار حجة وشاهداً أن نقول ما جاءنا من بشير ولا نذير ، وجعل أمته المتخصصة بمعرفته شهودا على سائر الناس...
إن قيل: هل أمته شهود كلهم ؟ أم بعضهم ؟
قيل: كلهم ممكنون من أن يكونوا شهداء وذلك بشريطة أن يزكوا أنفسهم بالعلم والعمل الصالح ، فمن لم يزك نفسه لم ليكن شاهداً مقبولاً ، ولذلك قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} ، وعلى هذا قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} ، فالقيام بالقسط
مراعاة العدالة ، وهي بالقول المجمل ثلاث:
عدالة بين الإنسان ونفسه ، وعدالة بينه وبين الناس ، وعدالة بينه وبين الله - عز وجل - ، فمن رعى
ذلك فقد صار عدلاً شاهداً لله - عز وجل - .
إن قيل: فهل هم شهود على بعض الأمم أم على الناس كافة ؟ قيل بل كل شاهد على نفسه وعلى أمته وعلى الناس كافة فإن من عرف حكمة الله تعالي وجوده وعدله ورأفته ، علم أن لم يغفل تعالى عنه ولا عن أحد من الناس ، ولا يبخل عليهم ولا يظلمهم ، ومن علم ذلك فهو شاهد لله على أن من زمانه وعلى من قبله ومن بعده ، وعلى هذا الوجه ما روي فِي الخبر"أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على الأمم"،